القسم الأول

ظاهرة العنف السياسي في مصر

وعنف الجماعات الإسلامية المتطرفة

 

     ينصرف مفهوم العنف السياسي ، حسب أغلب التعريفات النظرية ، إلى" توظيف آلية العنف بشكل منظم لتحقيق أهداف سياسية ، قد تتمثل في الوصول إلى السلطة السياسية أو على الأقل التأثير عليها ، وهنا نكون إزاء عنف منظم من جانب المعارضة .كما قد تكون تلك الأهداف هي ضمان السيطرة على السلطة السياسية والتشبث بها ، وهنا نتحدث عن عنف من جانب النظام نفسه " ([9]). وبتعبير آخر يشير مفهوم العنف السياسي إلى " مختلف السلوكيات التي تتضمن استخداما فعليا للقوة أو تهديدا باستخدامها ، لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والإتلاف بالممتلكات ، وذلك لتحقيق أهداف سياسية مباشرة أو أهداف اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية لها دلالات وأبعاد سياسية " ([10]).

    وأيا كان الطرف الفاعل في ممارسة العنف ( عنف رسميا أم غير رسمي أو شعبيا ) فان اللجوء إلى العنف يعبر عن وجود أزمة في المجتمع ترتبط درجة حدتها بمستوى ممارسة العنف على الصعيدين الكمي والكيفي . والواقع أن ظاهرة العنف السياسي تعتبر ظاهرة عالمية ، لا يكاد يخلو أي مجتمع معاصر منها ، وينحصر الفارق بين المجتمعات في هذا المضمار في درجة ممارسة العنف وفي نسبية أسباب الظاهرة .ونظرا لتعقد ظاهرة العنف السياسي وتعدد متغيراتها ، تعددت الاتجاهات والمدارس في تفسير أسباب هذه الظاهرة ، وتباينت باختلاف المنطلقات الفكرية والسياسية بل والتخصصات العلمية للباحثين .

    وقد عانى المجتمع المصري خلال العصر الحديث من ظاهرة العنف السياسي بدرجات متفاوتة و لأهداف متباينة ، ومن أطراف وقوى متعددة ، وفقا لطبيعة وتوجهات النظام السياسي القائم ونمط العلاقات السائدة بينه وبين القوى الاجتماعية والسياسية . إلا أنه من المتفق عليه ان ظاهرة العنف السياسي ، وخاصة الذى  تمارسه الجماعات الإسلامية المتطرفة ، أخذت في التطور على نحو غير مسبوق بداية من منتصف السبعينيات مع بروز عدد من التنظيمات الإسلامية المتشددة التي اتخذت العنف " أداة" للوصول إلى أهدافها.وهناك عدة محطات فارقة في مسيرة تطور العنف كأحداث "الفنية العسكرية" عام 1974 التي ارتكبها " حزب التحرير الإسلامي" بقيادة صالح سرية ، واختطاف وقتل الشيخ الذهبي عام 1977 من قبل " جماعة المسلمين" المعروفة إعلاميا باسم "التكفير والهجرة" .                وارتبطت نقطة التحول الكبرى في ممارسة ظاهرة العنف السياسي من قبل بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة بظهور تنظيم " الجهاد " الذي نفذ عملية اغتيال الرئيس السابق أنور السادات وأحداث أسيوط عام 1981 التي أعقبتها وشكلت تحديا كبيرا للنظام . كما ظهر خلال عقد الثمانينيات عددا آخر من التنظيمات الإسلامية المتشددة ، كان أخطرها على الإطلاق تنظيم " الجماعة الإسلامية " بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن الذي انشق عن تنظيم " الجهاد " ، ويتحمل تنظيم الجماعة الإسلامية المسئولية عن معظم أعمال العنف السياسي التي مارستها الجماعات الإسلامية المتشددة منذ منتصف الثمانينيات وحتى الآن ، وبخاصة في محافظات صعيد مصر .

   والى جانب تنظيم "الجماعة الإسلامية " ظهرت أيضا عدة تنظيمات إسلامية متشددة ، كانت في معظمها انشقا قات أو إمدادات لتنظيمات موجودة بالفعل ، ومن أمثلتها تنظيم " الناجون من النار" المسئول عن محاولة اغتيال اللواءين حسن أبو باشا والنبوي إسماعيل وزيرى الداخلية السابقين ، وكذا محاولة اغتيال الصحفي مكرم محمد احمد . وتنظيم " الشوقيين " بالفيوم نسبة إلى زعيمه شوقي الشيخ الذي قتل  أثناء إحدى المواجهات المسلحة مع قوات الشرطة . وقد الذي انشق هو الآخر عن تنظيم الجماعة الإسلامية ويعتبر هذا التنظيم هو المسئول عن أحداث العنف التي شهدتها محافظة الفيوم عام1990 . وتنظيم " الجماعة السماوية " التي كان يتزعمها طه السماوي والذي انشق بدوره عن تنظيم " جماعة المسلمين "  ، واشتهر هذا التنظيم بارتكابه أحداث حرائق نوادي الفيديو في حي شبرا عام 1986 ، وجماعة طلائع الفتح التي جاءت امتدادا لتنظيم الجهاد الذي عانى من ظاهرة التفتت والانقسام ،وبخاصة بعد انفصال " الجماعة الإسلامية ، واعتقال ابرز قيادات التنظيم ([11]) .

    وبداية من العام 1993 شهدت عمليات العنف السياسي التي ترتكبها الجماعات الإسلامية المتطرفة ، وبخاصة الجماعة الإسلامية والجهاد ، نموا كميا ونوعيا وارتفاعا ملحوظا في مستوى المهارة والتقنيات المستخدمة . وقد أسفرت المواجهة الدامية بين الجماعات المتطرفة وأجهزة الأمن منذ بدايات العام 1991 وحتى نهاية العام 1998 عن مصرع نحو(1369) شخصا من بينهم  399  من أفراد قوات الأمن 509 من أعضاء الجماعات المتطرفة و368 من المواطنين الأبرياء .

   ومن خلال المتابعة والرصد لعمليات العنف السياسي  ، يمكن تحديد أبرز سمات وأهداف عنف الجماعات الإسلامية المتشددة فيما يلي :

   (أ) اغتيال الرموز السياسية والأمنية للدولة ، ومن ذلك اغتيال د.رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب ، ومحاولات اغتيال رئيس الوزراء السابق عاطف صدقي ووزير الإعلام صفوت الشريف عام 1993  ، ووزراء الداخلية السابقين النبوي إسماعيل وزكي بدر وحسن أبو باشا وحسن الألفي .

   (ب) اغتيال بعض الكتاب العلمانيين الذين  دأبوا على انتقاد الجماعات الإسلامية المتطرفة ، مثل الدكتور فرج فوده في يونيو 1992 ، وكذا محاولة اغتيال مكرم محمد أحمد والأديب نجيب محفوظ

 

جدول رقم (1)

تطور أعمال العنف السياسي منذ العام  1993 ([12])

العام

رجال الشرطة

جماعات المتطرفة

المواطنون

السائحون

إجمالى الضحايا

1991

ـ

7

4

ـ

11

1992

3

37

52

1

93

1993

91

59

56

2

207

1994

91

134

49

5

279

1995

102

193

78

ـ

373

1996

53

34

69

18

174

1997

44

32

50

67

193

1998

15

13

10

ـ

38

إجمالى

399

509

368

93

1369

 

   (ج) السعي إلى تدمير الاقتصاد المصري و إضعاف هيبة الدولة أمام المجتمع الدولي ، وذلك عبر استهداف السائحين الأجانب والقطارات والمنشآت السياحية ، حيث اغتالت الجماعات الإسلامية المتطرفة 93 سائحا من جنسيات مختلفة منذ العام 1992 بنسبة 6.67 % من اجمالي ضحايا العنف، وقد سقط هذا العدد من الضحايا في عدة عمليات ، أبرزها ثلاث عمليات هي: عملية فندق أوربا في أبريل 1996 والتي أسفرت عن مقتل 18 سائحا يونانيا وعملية تفجير أتوبيس سياحي بالمتحف المصري  بالقاهرة في سبتمبر 1997 والذي قتل فيها 9 سائحين أجانب فضلا عن إصابة العشرات من المواطنين والسائحين ، وأخيرا مذبحة الدير البحري بمدينة الأقصر في نوفمبر 1997 والتي أسفرت عن مصرع 58 من السائحين الأجانب وخمسة من المواطنين المصرين وإصابة العشرات من الجانبين .     وباستثناء عملية تفجير الأتوبيس السياحي بالمتحف المصري تبنى تنظيم " الجماعة الإسلامية " عمليات العنف ضد السائحين الأجانب ([13]).

    وقد فسرت بعض الآراء الهدف من تنفيذ العمليات ضد السياحة بتوجيه ضربة للنظام في عزيز لديه ، وذلك باعتبار السياحة أحد المصادر الهامة للدخل القومي ([14]).

جدول رقم ( 2 )

تطور عمليات العنف ضد السائحين والمنشآت والمزارات السياحية

العام

أهم عمليات العنف ضد السائحين

عدد الضحايا

1991

ـ

ـ

1991

الاعتداء على أتوبيس سياحي في ديروط في أكتوبر

مصرع سائحة بريطانية

1993

تفجير مقهى في ميدان التحرير بالقاهرة26 فبراير

مصرع اثنين من السائحين

1994

الاعتداء على باخرة سياحية بأسيوط (مارس) والاعتداء على أتوبيس سياحي

مصرع خمسة من السائحين

1995

ـ

ـ

1996

الاعتداء على فوج سياحي أمام فندق أوروبا بالهرم في أبريل

مصرع 18 من السائحين

1997

تفجير الأتوبيس السياحي في المتحف المصري ، ومذبحة الدير البحري

مصرع 67 سائحا

1998

ـ

ـ

اجمالي                                         

93

 

   (د) اغتيال رجال الشرطة ( الضباط والجنود والمخبرين السريين والخفراء النظاميين ) بهدف ترويع رجال الأمن والحصول على الأسلحة والذخائر ، وكذا اغتيال المواطنين المتعاونين مع أجهزة الأمن أو المشتبه في تعاونهم ، وقد وقعت معظم تلك العمليات في محافظات الصعيد . وتمثل واقعة اغتيال اللواء رءوف خيرت رئيس قطاع مكافحة التطرف الديني علامة بارزة في عنف تلك الجماعات، بما عكسته من دلالات بشأن قدرة جماعات التطرف على اختراق جهاز أمن الدولة واغتيال رموزه .

 ( ه) استهداف المواطنين الأقباط بغرض بث الفرقة والشقاق بين عنصري الأمة من المسلمين والأقباط ، وإظهار ضعف الدولة وأجهزتها الأمنية عن حماية الأقباط أمام المجتمع الدولي . ومن أبرز عمليات العنف السياسي ضد المواطنين الأقباط ، أحداث سوهاج ( مارس1984 ) ، وأحداث أبو قرقاص ( مارس 1990 وفبراير 1997 ) وأحداث صنبو (1992 ) وأحداث قرية بهجورة بمحافظة قنا ( مارس 1997 ) . وقد أسفرت أعمال العنف السياسي ضد المواطنين الأقباط عن مصرع نحو 96 منهم بنسبة بلغت 7,01 % من إجمالى ضحايا العنف ، وبنسبة 25.27 % من ضحايا العنف من المواطنين .

  (و) توسيع النطاق الجغرافي لممارسة أعمال العنف  لتشمل القلب ( القاهرة والجيزة ) والأطراف ، ولكن تركزت أعمال العنف بوجه خاص في محافظات الصعيد وبالتحديد داخل محافظتي المنيا وأسيوط . وإذا كانت الجماعات الإسلامية أرادت بارتكاب أعمال العنف في نطاق محافظات القاهرة الكبرى أن تثبت أن لها ذراعاً طويلة قادرة على تهديد قلب النظام . وقد تمركز نشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة داخل محافظات القاهرة الكبرى في الأحياء الفقيرة الهامشية والعشوائية ، مثل أحياء إمبابة وعين شمس وبولاق الدكرور وشبرا والزاوية الحمراء ، ولهذا التركيز دلالاته التي سوف نتناولها فيما بعد .

  والسؤال الآن : لماذا اتجهت بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى ممارسة العنف السياسي ضد النظام ؟

    تفترض معظم الدراسات النظرية أن العنف السياسي الذي يستخدمه بعض الأفراد أو الجماعات ضد الدولة هو" رد فعل محدد نتج عن مجموعة من الإحباطات الجماعية ، وأنه يعبر عن اتساع الهوة الفاصلة بين الطموحات والواقع " ([15]) . وفيما يتعلق بالعوامل أو الأسباب التي تؤدي إلى الإحباطات التي من شأنها ترتيب العنف السياسي ، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو من خلال ما لها من تأثير غير مباشر على المجتمع .. فثمة ملاحظة أساسية في هذا الإطار وهى أن أغلب الباحثين اعتادوا على إيراد عوامل أو أسباب عامة لخلق ظاهرة العنف السياسي، وذلك دون تحديد مدى صحة هذه التفسيرات أو العامل الرئيسي أو المفجر للعنف بشكل علمي . فالعنف السياسي الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المتطرفة ـ في وجهة نظر هؤلاء ـ ظاهرة معقدة جاءت نتاج الأزمة العامة التي يعاني منها المجتمع المصري والتي تتحدد ملامحها الرئيسية فيما يلي : التضخم ، والبطالة ، وانخفاض مستوى معيشة نسبة كبيرة من المواطنين ، وارتفاع الأسعار بنسبة كبيرة لا تتناسب مع زيادة الأجور ، وتفاقم مشاكل المواصلات والإسكان ، واتساع الفوارق بين الطبقات والاستهلاك الترفي لقلة معينة ،وتضخم موجة الهجرة الريفية إلى القاهرة والمدن الكبرى ، وعجز أجهزة الإنتاج والخدمات عن استيعاب هذه الهجرة مما أدى إلى تجمع السكان في مناطق عشوائية في أطراف المدن تسودها ظروف معيشية بائسة من شأنها أن تهيئ الظروف للعمل السياسي العنيف ([16]) ، و نقص التطور الديموقراطي واستخدام القمع كأداة ضد القوى السياسية من شأنه أن يؤدي إلى وجود  معامل للعنف في الممارسات عند الفئات الهامشية الأكثر تطرفا في الأرضية السياسية ، واهتزاز نظام القيم في المجتمع والاستفزاز الإعلامي وتردى نوعية التعليم ، وتشويه الذاكرة التاريخية للشعب المصري ، والتوظيف الرسمي للدين  . كل هذه العوامل أدت إلى اتساع مساحات اليأس والإحباط وفقدان الأمل في المستقبل وبخاصة لدى الشباب ، وبذلك اصبح من السهل على أية جماعات سياسية واجتماعية ترفع راية الرفض والتغيير ان تستقطب وتجند فئات من الشباب في صفوفها ([17]) .

   ومع التسليم بأن اجتماع الأسباب العامة معا يخلق الظروف المواتية لبعض الجماعات الإسلامية  لممارسة العنف السياسي ، إلا أنه ينبغي عدم تجاهل دور الأسباب الكامنة في التكوين الفكري أو الاجتماعي لتلك الجماعات في دفعها إلى ممارسة العنف السياسي ضد النظام . فالعنف يعتبر عنصرا أساسيا في الإطار الفكري والعقيدي للجماعات الإسلامية المتطرفة ، حيث تعتنق منظومة من الأفكار والتفسيرات الدينية التي تذهب إلى تكفير الأفراد والجماعات والدول ولجوئها إلى ممارسة العنف ضد هؤلاء بسبب ذلك الاعتقاد .

   ويشير تحليل أفكار وممارسات تلك الجماعات إلى اعتمادها على قراءة معينة للإسلام تقوم على ركنين رئيسيين([18]) ، " الأول" أن الإسلام هو في الأصل عقيدة وليس شريعة ، حيث لا يخرج جوهر الوجود الإنساني كله عن مهمة واحدة هي إخلاص العبادة لله " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ، ويستلزم أداء هذه المهمة على أكمل وجه الالتزام بالركن "الثاني " وهو الالتزام الحرفي والطاعة لكل ما أمر به الله في القرآن أو السنة النبوية  " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم " ، وفي هذا السياق تمثل النصوص القرآنية والنبوية وبعض آثار السلف الصالح المصدر الوحيد  لاستقاء الأفكار و إعادة بناء وتكرار تجاربها الحركية والتنظيمية .

   وبالنسبة لموقف تلك الجماعات من المجتمعات المعاصرة فأنها تتفق على أنها تعيش في حالة      " كفر " و "جاهلية " ، ولكنها تختلف فيما بينها في مواقفها العملية منها . فهناك اتجاه من الجماعات الإسلامية يمثله التيار السلفي وخاصة جماعة " التبليغ والدعوة " يرى أن سبيل الخروج من الحالة التي تعيشها المجتمعات والدول المعاصرة يكون  " بالدعوة " السلمية  إلى الالتزام بقواعد الإسلام وأصوله ، ويتمثل السند التاريخي لهذا الاتجاه في مرحلة الدعوة " المكية "  التي مر بها الإسلام قبل الهجرة إلى المدينة . وهناك اتجاه ثان يستند في قراءته للإسلام على المرحلة " المكية " أيضا ولكن بتأويل مختلف ، وهذا الاتجاه الذي يمثله تيار " الناجون من النار " و  وجماعة "المسلمين " و " الشوقيين "  يرفض إعادة الدعوة والتبليغ لأن الدعوة اكتملت بوفاة الرسول وأن كل من لا ينضم إلى جماعتهم يعد كافرا ، وبذلك لا يرى هذا الاتجاه من سبيل سوى "اعتزال " المجتمع الكافر والهجرة منه على غرار ما فعل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يظهر الله دينه ويعودوا منتصرين .

     أما الاتجاه الثالث والذي يمثله تيار " الجهاد " و" الجماعة الإسلامية " فهو يستند في قراءته على المرحلة " المدنية " التي اندمجت فيها العقيدة والدين بالدولة ، ومن ثم فإن الطريق للوصول للعقيدة والدين لابد أن يمر بالدولة ( السياسة والسلاح ) . وإذا كان المجتمع المعاصر لدى هذا الاتجاه يعتبر جاهليا فانه لا سبيل إلى إعادة دعوته بشكل سلمي إلى الإسلام لأن الرسالة قد اكتملت ، ويرى أن الدولة هي الحائل دون إعادة أسلمة المجتمع لذلك فهي " كافرة " ويتعين قتالها .

  وقد أثيرت مسألة " الشرعية الدينية " لاغتيال الرئيس أنور السادات قبل اغتياله وبعده . فمن ناحية ، أفتى الشيخ عمر عبد الرحمن بضرورة قتال الحاكم الكافر ولكنها كانت فتوى عامة لا تشير إلى السادات تحديدا . ولكن تنظيم الجهاد رأى أن اغتيال السادات له " اكثر من باب في الشرع : أولا ، قتال لحاكم يحكم بغير ما أ نزل الله ؛ وثانيا هو قتال من أجل تنصيب خليفة مسلم يحكم بالإسلام ؛ وثالثا هو قتال من أجل تغيير منكر أكبر لا يندفع إلا بالقتال وهو الحكم بغير ما أنزل الله واستبدال شرائعه . وتؤسس جماعة الجهاد هذه القراءة على بعض الآيات القرآنية التي تجعل الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله كافرا وفاسقا وظالما([19]) .

   وتتمثل المصادر الفكرية المباشرة لجماعات العنف في كتابات وفتاوى ابن تيمية الذي ذهب إلى انه:  " ومعلوم بالاضطراد من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين ان من سوغ اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه " . وإذا كان ابن تيمية قد قال بهذا الرأي لدفع الأمة إلى قتال التتار بقيادة جنكيز خان فان الحاكم في الدول المعاصرة له نفس حكم جنكيز خان إذا لم يحكم بما أنزل الله . وقد طورت " الجماعة الإسلامية " هذه الفتوى فجعلت حكم قتال الحاكم هو عين حكم قتال المعاونين له من رجال الأمن والمواطنين والمستثمرين والسائحين الأجانب . وفي مثال على ذلك ، أصدرت الجماعة الإسلامية " بيانا " في فبراير 1994 أكدت فيه أن دعوتها للمستثمرين والسائحين الأجانب بمغادرة البلاد نابعة من حكم الإسلام الراسخ ألا وهو " من أعان نظاما يحارب الإسلام ويعذب أبناؤه و يستحي نساءه ويشنق         شبابه فحكم المعينين له هو عين حكم الطغاة " . وكذلك تستند تلك الجماعات إلى كتابات كل من المودودي وسيد قطب وبالذات مؤلفه " معالم في الطريق " وكذا كتاب "الفريضة الغائبة " لمحمد عبد السلام فرج منظر تنظيم الجهاد .وهكذا ، يتضح أن ممارسة العنف السياسي يعتبر أحد عناصر البناء الفكري والعقائدي للجماعات الإسلامية المتشددة .

 

*  *   *

وماذا .. عن عنف الدولة ؟

وبقدر ما انخرطت بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة في ممارسة العنف السياسي فإن الدولة انخرطت  هي الأخرى في ممارسة العنف الرسمي بضراوة شديدة  لمواجهة عنف الجماعات الإسلامية المتشددة . وفي الوقت التي تجاهلت فيه الدولة التعامل بجدية مسببات ظاهرة العنف السياسي بما يناسب درجة خطورتها ، ونظرت إلى العنف السياسي كظاهرة " أمنية " وحصرت بالتالي المواجهة في دائرة الأمن ، رغم أن المواجهة الأمنية لا تكفي وحدها لحل مشكلة مركبة تنطوي على أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية وثقافية .. الخ .

  وقد اعتمدت الدولة في مواجهتها لهذه الظاهرة على أسلوب " القبضة الأمنية المشددة " مستندة في ذلك على الصلاحيات الاستثنائية الواسعة التي يمنحها فانون الطوارئ . فشنت أجهزة الأمن حملات

تمشيطيه متتالية استهدفت حسب التصريحات الرسمية " تصفية فلول العناصر الإرهابية " وأفرطت قوات الشرطة في استخدام القوة المسلحة عند القبض على عناصر تلك الجماعات مما أسفر عن مصرع العشرات منهم في ظروف توحي بأن وفاتهم  كانت بمثابة أعمال قتل خارج نطاق القانون، وذلك كبديل للقبض عليهم أو كنوع من الانتقام من العمليات الإرهابية التي يرتكبها أعضاء هذه الجماعات .

   كما تعرض آلاف من المواطنين للاحتجاز والاعتقال التعسفي دون تهمة أو محاكمة بمقتضى قانون الطوارئ، وإزاء تصاعد أعمال العنف والإرهاب وسعت أجهزة الأمن من دائرة المشتبه فيهم ومدت نطاق الاعتقال العشوائي إلى أعداد كبيرة من المواطنين الأبرياء الذين لا تربطهم أية صلة بأعمال العنف ، كما شاعت ظاهرة احتجاز زوجات واَباء وأشقاء الأشخاص المطلوب القبض عليهم في جرائم العنف والإرهاب .

   وكذلك لجأت الأجهزة الأمنية إلى ممارسة سياسة " الاعتقال المتكرر " وقامت باحتجاز نحو 20 ألف معتقل بدون تهمة أو محاكمة لعدة سنوات بالمخالفة لأحكام القانون والقضاء ، مازال نحو 14 ألفا منهم منسيين خلف جدران السجون في ظل أوضاع معيشية متردية وانعدام الرعاية الصحية والتغذية الملائمة والحرمان من التمتع بالعديد من الحقوق والحريات المكفولة لهم بمقتضى الدستور والقوانين الوطنية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي التزمت بها الحكومة المصرية .

   وفي ظل القصور الأمني في إجراءات التحقيق واستكمال الأسس القانونية لضبط الجرائم وتحقيقها، شاعت ممارسة التعذيب ضد المتهمين والمعتقلين من أعضاء الجماعات الإسلامية المتطرفة كأسلوب معتمد للحصول على الاعترافات والمعلومات ، مما أسفر عنه وفاة بعضهم أثناء التحقيق معهم نتيجة التعذيب ، وتعد واقعة وفاة المحامي عبد الحارث مدني يوم 26 أبريل 1994 بعد يوم واحد من القبض عليه نتيجة التعذيب،  نموذجا بارزا في هذا السياق .  

  ومنذ أواخر العام 1992 بدأت الدولة في إحالة بعض قضايا العنف والإرهاب إلى المحاكم العسكرية بالمخالفة لأحكام الدستور والمواثيق الدولية التي توجب محاكمة المدنيين أمام قاضيهم الطبيعي . وقد أصدرت تلك المحاكم ( 94 ) حكما بالإعدام موزعة على الجماعات الإسلامية المتطرفة حسب درجة انخراطها في ممارسة العنف . فقد صدر 51 حكما بالإعدام ضد أعضاء تنظيم "الجماعة الإسلامية " و37 حكما ضد أعضاء تنظيم "الجهاد " و4 أحكام ضد أعضاء تنظيم     " الشوقيين " بالإضافة إلى حكمين بالإعدام صدرا ضد المتهمين في حادثة تفجير أتوبيس المتحف المصري , وقد جرى تنفيذ 67 حكما منها . وقد أدت تلك الممارسات إلى غلبة " روح الثأر" على أعضاء الجماعات الإسلامية المتطرفة ، التي راحت كل يوم تجدد وتطور في أهداف وتقنيات وأساليب العنف ضد الدولة ، انتقاما من اعتقال بعض قياداتها تارة ، أو مقتل البعض الآخر تارة ثانية ، ولإعدام بعض أعضائها تارة ثالثة ..الخ .

    وبقراءة مسار تطور أعمال العنف السياسي التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية المتطرفة نلاحظ ان الإجراءات القمعية التي اتخذتها أجهزة الأمن كانت عاملا رئيسيا في تأجج الصراع الدامي وغلبة روح " الثأر" والانتقام لدى أعضاء تلك الجماعات من ناحية ثانية ، كما أن تلك الإجراءات لم تمثل رادعا لخم بسبب الطابع   " الإيثاري " الذي يتسم به عنف الجماعات المذهبية . فمن ناحية ، كانت أعمال القتل والتعذيب وشيوع ممارسة الاحتجاز طويل الأجل وإصدار وتنفيذ عشرات الأحكام بإعدام أعضاء الجماعات الإسلامية سببا مباشرا لارتكاب اخطر عمليات العنف والإرهاب ومنها على سبيل المثال مذبحة الدير البحري ، حيث عثر في موقع المذبحة على "بيان " منسوب إلى الجماعة الإسلامية بعنوان " كتيبة الدمار والخراب " يعلن مسئولية الجماعة عن المذبحة وذلك انتقاما لإخوانهم " الذين قتلهم النظام على أعواد المشانق " كما جاء بالبيان أن الجماعة تهدي فرحتها بالنصر إلى " سمير أبو المعا طى الذي لقي مصرعه بعد القبض عليه " .

   ومن ناحية أخرى ، لا تمثل أحكام الإعدام أو الإجراءات القمعية التي تتخذها أجهزة الأمن رادعا  حقيقيا لعناصر الجماعات الإسلامية المتطرفة وذلك بحكم السمات الخاصة التي تميز عنف تلك الجماعات . بأنه عنف يتسم " بالإيثارية  "  توجهه وتحركه أفكار ودوافع تتجاوز المصالح الفردية المباشرة لأفراد تلك الجماعات ، إن " إقامة شرع الله " و " الشهادة " و " السعي إلى الجنة " هي اللافتة المعلنة الأساسية التي ترفعها الجماعات الإسلامية المتطرفة عند ارتكابها أعمال العنف السياسي . إن ذلك هو الذي يفسر لنا إقدام أفرادها على تعريض حياتهم لخطر الموت رغم ان في مقدورهم تفادي ذلك لو تخلوا عن انتماءاتهم الفكرية والتنظيمية . وخير دليل على ذلك ، البيان الذي عثر عليه في موقع مذبحة الدير البحري ، حيث جاء فيه " أن الموت خير لنا ، وان باطن الأرض خير لنا من ظاهرها " .