مملكة الصمت …
لدواعي الأمن .. أربعة سجون مغلقة ، وتقييد حق الاتصال والتفاعلمع العالم الخارجي في باقي السجون المصرية ... !؟
اتصال السجناء بالعالم الخارجي .. حق أم امتياز ؟
" .. أبلغ من العمر 60 عاما ، اعتقل ابني الوحيد بتاريخ 13/11/1996 وكان يعمل قبل اعتقاله مدرسا . ومن تاريخ الاعتقال وأنا أعيش بمفردي بالمنزل الكائن بقرية نجع زريق ـ مركز البدارى بمحافظة أسيوط . سألت عنه وعرفت أنه بسجن الفيوم ، حاولت زيارته فعرفت انه ممنوع الزيارة بسجن الفيوم . ومنذ تاريخ الاعتقال لم أراه ولم يحضر زفاف أخته الوحيدة .. أرسلت عدة شكاوي إلى السيد رئيس الجمهورية وإلى وزير الداخلية والنائب العام ورئيسي مجلس الشعب والشورى ورئيس مجلس الشعب والأمين العام للحزب الوطني أطلب الإفراج عن ابني وعائلي الوحيد حيث انه لم تصدر ضده أية أحكام وحصل على عدة قرارات بالإفراج عنه … كما طلبت منهم السماح لي بزيارته وعمل توكيل منه لصرف راتبه من وزارة التربية والتعليم .. ولم أحصل على رد حتى الآن .." ([1])
توجد في مصر الآن .. أربعة سجون مغلقة ومعزولة تماما عن العالم الخارجي منذ عدة سنوات، وهي سجون: الفيوم العمومي وشديد الحراسة بطره وليمان أبي زعبل واستقبال طره . وتعني ظاهرة السجون المغلقة ، فرض حالة من الحصار الأمني والعزلة الشديدة على بعض السجون ، بحيث تنقطع تماما الصلة بين المودعين داخلها وبين العالم الخارجي ، فتتحول تلك السجون بمن فيها إلى " مملكة يغلفها شبح الصمت " لا يعلم أحد ما يجري بداخلها من انتهاكات جسيمة لأبسط الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية المقررة للمسجونين . وفي تلك المملكة يفقد المسجونين أي أمل قريب في العودة مرة أخرى إلى الحياة خارج أسوار السجون ، وتتبدل أحلامهم المشروعة في الحرية إلى مجرد " انتظار" دائم للسماح لهم بلقاء يجمعهم بالأسرة ( الأب / الأم/ الزوجة / الابن / الأخ ..) يشعرهم بأنهم مازالوا أحياء . وفي ظل حالة الانتظار الطويلة والكئيبة ، لا يكون هناك إلا " آلام العزلة ومخاوفها " وعشرات الأسئلة التي تتردد داخل الصدور بلا إجابات شافية : ما حال الأسرة وأخبارها ، كيف يعيشون ، ما أثر غيابي عليهم .. الخ ؟ . وعندما يفقد الإنسان القدرة على الإجابة وتصبح الأحلام عقيمة .. قد يلجأ إلى سلاح " الصبر " ملاذا يحتمي به ، ولكن في حالات كثيرة يتولد بداخله شعور مدمر باليأس والعجز وافتقاد الرغبة في الحياة . يقول أحد المعتقلين ، ممن وجدوا في الصبر ملاذا ، في رسالة نجح في تهريبها إلى الأسرة أثناء ترحيله من سجن إلى آخر : " إلى أمي الحبيبة .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. تحياتي وأشواقي من قلب أضناه التشوق للقائكم .. ولكن لا أملك إلا أن أقول .. أماه صبرا على ألم الفراق .أمي الحبيبة .. كم كنت أتمنى أن أرسل إليك ولو طيفا من روحي ليسعد برؤيتك ويشرف بجلستك ، ويستأنس بحديثك . يروى من أنهار حنانك ويعرف أحوالكم ليقف على أخباركم ليطمئن القلب ويستريح البال . أمي الحبيبة ، أخواتي الأعزاء .. من قلب فاض بحبكم .. من قلب طليق في بدن أسير .. إلى قلوبكم الطاهرة .. أرسل هذه البرقية بمناسبة عيد الأضحى المبارك أعاده الله عليكم وعلينا بالعزة والنصر " . ولكن ليس كل المحتجزين داخل مملكة الصمت يملكون القدرة على الصبر والأمل ، يقول أحد المعتقلين ، من الذين لم يصل معهم اليأس إلى مداه بعد ، في رسالة إلى الأسرة : " بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد .. والدتي الحبيبة أكتب إليكم داعيا الله أن تكونوا بخير حال يحبه الله ويرضاه . . أوصيكم بأن تهتموا أولا بزواج البنات حيث أن الخروج من السجن شيء غير معلوم . ثانيا : الاهتمام بالحوالات والتظلمات ، وإذا نجحتم في زيارتي رجاء إحضار علاج للروماتيزم . وأخر رسالتي لا تنسوني في الدعاء . ابنكم .. " . وعندما يتملك اليأس والعجز من السجين أو المعتقل يبدو حديثه وكأنه وصية يودع فيها عالم الأحياء ، يقول أحد المعتقلين في ذلك : " .. أمي الحبيبة .. وصيتك زوجتي فهي بمنزلة ابنتك ، وأن ترعي أولادي ، قدر الله وما شاء فعل ، وقدره ان يصير أبنائي أيتام ووالدهم على قيد الحياة . لا تنسي أن تقدمي لابنتي في الأزهر … لا تحاولوا زيارتي فالزيارة ممنوعة . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " . وتتحمل أسر السجناء والمعتقلين ، وخاصة أمهاتهم وزوجاتهم ، الأعباء القاسية لهذه المأساة . إذ يصطدمون " بالفصل القسري " بينهم وبين ذويهم لسنوات طويلة وشاقة ، وفضلا عن العناء والكرب الذين ينجمان عن فقدان الزوج أو الابن ، تجد الزوجة أو الأم نفسها في كثير من الأحيان في وضع يائس يتسم بعدم الاستقرار ، يتعين عليها أن تعول أفراد الأسرة وان تقوم بدور الأب الغائب ، في ظل غياب أي عون من الدولة . تصف والدة أحد المعتقلين المودعين بسجن الفيومي العمومي منذ عام 1996 الآلام والمعاناة القاسية الناجمة عن حرمانها من زيارة نجلها منذ ثلاث سنوات ، قائلة : " .. أبلغ من العمر 60 عاما ، اعتقل ابني الوحيد بتاريخ 13/11/1996وكان يعمل قبل اعتقاله مدرسا . ومن تاريخ الاعتقال وأنا أعيش بمفردي بالمنزل الكائن بقرية نجع زريق ـ مركز البدارى بمحافظة أسيوط . سألت عنه وعرفت أنه بسجن الفيوم ، حاولت زيارته فعرفت انه ممنوع الزيارة بسجن الفيوم . ومنذ تاريخ الاعتقال لم أراه ولم يحضر زفاف أخته الوحيدة .. أرسلت عدة شكاوي إلى السيد رئيس الجمهورية وإلى وزير الداخلية والنائب العام ورئيسي مجلس الشعب والشورى ورئيس مجلس الشعب والأمين العام للحزب الوطني أطلب الإفراج عن ابني وعائلي الوحيد حيث انه لم تصدر ضده أية أحكام وحصل على عدة قرارات بالإفراج عنه … كما طلبت منهم السماح لي بزيارته وعمل توكيل منه لصرف راتبه من وزارة التربية والتعليم .. ولم أحصل على رد حتى الآن .." وتروي إحدى الأمهات مأساة الأسرة بعد اعتقال نجلها إسماعيل تهامي سالم ( 24 سنة ، تاجر موبيليا ، أعزب ) ومودع حاليا بسجن الفيوم قائلة : " منذ اعتقال ابني إسماعيل يوم واحد يناير1993 وأحوال الأسرة من سيئ إلى أسوء ، فشقيقه إبراهيم ، وكان يعمل طباخ على مركب سياحي فصل من العمل لأن شقيقه إرهابي ، و الوالد مات بعد عام واحد من اعتقاله كان حزين خلالها لما يلاقيه ابنه داخل السجن ، وبعد وفاة الأب تحمل ابني مصطفى الشقيق الأصغر لإسماعيل مسئولية الأسرة . ومن كتر الضغط عليه طفش من المنزل ، فاضطر إبراهيم للعمل باليومية لسد المطالب الضرورية للأسرة . وحتى الآن لم ينسى إبراهيم إن شقيقه المعتقل هو السبب في فصله من العمل و تدهور الأحوال المادية للأسرة ، كما منعوني من زيارة مصطفى لأنهم يأسوا من وضعه وغير قادرين على توفير نفقات الزيارة . ولم أتمكن من زيارته إلا بعد نقله إلى مستشفى استقبال طره للعلاج من الروماتيزم وكانت أخر زيارة له بالمستشفى في شهر إبريل 1999 " . وفي شكوى والدة المعتقل زكي السيد سليمان ( 25 سنة ، أعزب ومودع بسجن الفيوم ) تحكي عن مشاعرها بعد فشل أخر محاولة لزيارته داخل سجن الفيوم.. قائلة : " في العيد الماضي أولاد الحلال قالوا لي إن الحكومة هاتسمح لأهالي المعتقلين بسجن الفيوم بالزيارة أول أيام العيد ، فرحت قوي لأني من سنين لم أرى ابني . واشتريت كل اللي أقدر عليه لابني المعتقل ، وبعد أربع ساعات من الانتظار أمام بوابة السجن أبلغوني بان الزيارة ممنوعة عن السياسيين . قلت لهم هم السياسيون مش بشر برضه وتوسلت إليهم وان ابكي بان يسمحوا لي برؤية ابني ومش هاقول له إلا كل سنة وأنت طيب ، ولكنهم رفضوا " . وزوجة أخرى تروي مأساة الأسرة بعد اعتقال الزوج ([2]) قائلة : " كان زوجي في صحة جيدة قبل اعتقاله ، ولكنه أصيب بالدرن بعد الاعتقال ويحتاج إلى علاج مستمر لمدة سنة لا يوجد داخل مستشفى السجن ، وكان العائل الوحيد للأسرة التي تضمني أنا وطفلتي البالغة من العمر أربع سنوات والتي لم ترى والدها حتى الآن ، بالإضافة إلى الأم والأب وهو مسن ومصاب بالسكر ، في أخر زيارة لزوجي في السجن يوم 14/2/1998 ـ أي منذ أكثر من سنة ونصف ـ بكى كالأطفال عندما سألني عن أخبار ابنته الوحيدة فقالت له أنها تريد أن تراه وتحتاج إليه بشده . والله أنا قدره أعيش على الكفاف ، وعلى مساعدة أهل الخير ، ولكني محتاجة إلى زوجي وأبو طفلتي ، فلماذا يحرمونا من زيارته ، ولماذا يحتجزونه إلى الآن بدون تهمة " . وظاهرة السجون المغلقة واحدة ضمن ظاهرات عديدة تحدث كل يوم ، وتنتهك حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، دون أن يكون وراءها سببا مقنع أو ذريعة مقبولة ، وإذا أردنا أن نضع أيدينا على موطن الداء وسبب البلاء نجد أنفسنا دواما أمام تفسير واحد ووحيد هو " دواعي الأمن .." ولا يقتصر الحرمان من الاتصال بالعالم الخارجي على السجناء والمعتقلين داخل السجون المغلقة فقط ، بل يمتد نطاق الحرمان ليشمل أيضا المودعين داخل السجون المفتوحة ولكن بدرجة أقل حدة وجسامة ، حيث تفرض إدارة السجون قيودا مشددة على ممارسة السجناء والمعتقلين لحقهم في الاتصال بالعالم الخارجي ، وخاصة حقهم في تلقي الزيارات من الأسرة والمحامين المكلفين بالدفاع عنهم . وتتمثل أبرز مظاهر هذا التقييد في قصر مدة الزيارة التي تتراوح بين 15 دقيقة في الزيارات العادية و30 دقيقة في الزيارات الخاصة ( لا تتعدى خمس دقائق في أحسن الأحوال ).. وهي مدة غير كافية لتحقيق التواصل والتفاعل بين السجين أو المعتقل وأسرته .فلا شك أن زيارات الأسرة تشكل أكثر الأسس صلاحية لإعادة التأهيل الاجتماعي للسجين والمعتقل السياسي ، لذلك يجب أن تشغل حيز من الزمن يكون ملائما كي يطمئن على أحوال الأسرة ، خاصة إذا كان متزوجا ولديه أطفال . كما أن الأسرة ( الأم أو الزوجة على وجه التحديد ) تكون في أشد الحاجة بعد رحلة الشقاء الطويلة إلى السجن ، خاصة إذا كان من السجون النائية ، أن تستشعر الأمان وتشعره لذويها ، وأن تشد من أزره وتطمئن على أحواله النفسية والبدنية ، وأن تبلغه عن أحوال الأسرة ما يسره أو ما يحتاج إلى استشارته ، فيزيد لديه الإحساس بالمسئولية والفائدة الاجتماعية . ورغم أن أماكن الزيارات والظروف التي تجري فيها تحتل أهمية خاصة في حفظ الروابط الاجتماعية والكرامة الإنسانية للسجناء والمعتقلين .. إلا أن إغفال نص المادة 70 من اللائحة الداخلية للسجون تحديد شروط ومواصفات الأماكن المخصصة للزيارات داخل السجون ، و اشتراط حضور أحد مستخدمي السجن أثناء زيارة المسجونين يعطي لإدارة السجون سلطة تقديرية واسعة في تحديد وتنظيم أماكن الزيارة وظروف إجرائها ، وهو ما قد يتعارض مع الهدف من الزيارة . حيث عادة ما تتعسف إدارة السجون عند ممارسة هذه الرخصة ، فتقوم بإجراء الزيارة من وراء " سلك مزدوج " يقف السجين أو المعتقل خلف إحداه وأسرته خلف السلك الآخر ، ويفصل بين السلكين مسافة تبلغ 120سم تستخدم كممر يتواجد بداخله مندوب السجن من رجال الأمن بحيث يستطيع سماع تفاصيل محادثات السجين أو المعتقل مع أسرته . وهو ما يعتبر اعتداءا على حق التواصل الشخصي المباشر بين النزيل وأفراد أسرته ( الأم ، الأب ، الزوجة ، الأبناء ، الأشقاء ) . كما تشتكي أسر المعتقلين والسجناء في السجون المفتوحة من التعقيدات الإدارية عند استخراج تصاريح الزيارة ، ومن إساءة معاملتهم أثناء الزيارة ومصادرة المأكولات والأدوية والملابس الخاصة بذويهم ، ومن النفقات المالية الباهظة للزيارة ، وغير ذلك من مظاهر الانتهاكات . ويلخص والد المعتقل السياسي وليد عبد المجيد عبد الحليم ، في شكواه لمركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء ، رحلة معاناة الأسرة منذ اعتقال نجلها بقوله : " اعتقل ابني بتاريخ 8/6/1992 دون ذنب ولم توجه له أي تهمة ، ومنذ اعتقاله تنقل بين عدة سجون : استقبال طره ، الوادي الجديد ، استقبال طره مرة ثانية ، دمنهور ، الفيوم ثم دمنهور مرة ثانية ، والآن هو موجود في سجن الفيوم وهو سجن ممنوع عنه الزيارة . وأخر زيارة له كانت في سجن دمنهور يوم الثلاثاء 1/12/1998 قبل نقله إلى الفيوم . ويا ليتني ما قمت بهذه الزيارة ، فبعد انتظارنا عدة ساعات خارج السجن سمحوا لنا بالدخول بعد حصولهم على تصريح الزيارة ، وانتظرنا مرة اخرى في الداخل خلف سلك مزدوج بفاصل حوالي 2 متر ، وبعد فترة حضر إلينا بتثاقل شديد ومن خلفه أحد الجنود الذي كان يدفعه إلى الأمام . وبسؤاله : أجاب بأنه يعاني من آلام حادة في قدميه ولا يستطيع الوقوف عليها ، وانه واقف ( غصب عنه ) كما اشتكى من آلام في صدره و أسنانه لا تجعله يستطيع النوم . ولم تتمالك والدته نفسها فانفجرت في البكاء حزنا وألما على ابنها . وقد توسل إلينا بعمل اللازم من أجل الكشف الطبي عليه وإحضار الأدوية إليه ، علما بأننا أثناء الزيارات السابقة كنا نحضر إليه الأدوية التي يطلبها ولكن المباحث المشرفة على التفتيش كانت تمنع هذه الأدوية ولا تسمح بدخول إلا عينات قليلة من المأكولات لا تكفي طفل صغير . لم نعد نعمل تظلمات للإفراج عنه ، ففي أخر مرة عملنا تظلم رقم 5633 بتاريخ 14/11/ 1992 دائرة 34 جنوب القاهرة ، اخذ إفراج بتاريخ 8/12/1992 ثم تأيد الإفراج بتاريخ 2/1/ 1999 وبدل من الإفراج عنه قاموا بترحيله إلى مباحث أمن الدولة بلاظوغلي ثم أعادوا اعتقاله ورحلوه إلى سجن الفيوم ومن يومها لم نراه ولا نعرف أخباره ، ولا نريد سوى توقيع الكشف الطبي عليه وتقديم العلاج اللازم لحالته " . وتشتكي إحدى الزوجات ([3]) بأنها لم تر زوجها منذ 23/6/1999 حيث أنها تقيم بالقاهرة وزوجها مودع بسجن الوادي الجديد ولا تستغرق الزيارة أكثر من خمس دقائق ، كما تقول : " أعيش بمفردي أنا وأطفالي منذ ثماني سنوات ، أطفالي في احتياج شديد لوالدهم ورفض الابن الأوسط المذاكرة من غضبه الدائم لعدم رؤية والده مما أثر على مستواه الدراسي . أعيش في قلق وخوف شديد ولا أعرف إلى متى سيظل هذا الوضع الشاذ . امرأة وأطفالها بلا زوج لمدة ثماني سنوات بسبب اعتقال الزوج ، مع انه لو كان سرق ولا نهب ولا عمل أي فعل مشين كان زمانه اتحاكم وخرج من السجن ولعل ما يزيد من معاناة أسر المسجونين والمعتقلين هو شعورهم بفداحة آثار السجن على ذويهم وعجزهم عن معرفة متى ينتهي هذا الوضع الشاذ ، وفي ذلك يقول والد أحد المعتقلين في شكواه لوزير الداخلية بخصوص نجله : " السيد اللواء / وزير الداخلية .. حفظك الله وسدد خطاك .. مقدمه لسيادتكم والد المعتقل مصطفى إبراهيم أمين ، والمقيم بالجيزة 33 ش شبيطة الجديد بأم المصريين . أبعث إليكم بصرختي .. صرخة أب جاوز السبعين من عمره ، ومريض بمرض مزمن وهو حسب تشخيص معهد الأورام " سرطان بالدم " . في يوم 6/7/1991 تم القبض على ابني من المنزل بواسطة مباحث أمن الدولة وتم تقديمه إلى المحاكمة على ذمة القضية رقم 4034 لسنة 1991 بولاق ( رقم 129لسنة 1991 كلي ) ولكن عدالة السماء أقوى من أي اتهام فلقد برأته المحكمة مما أسند إليه ، وذلك بجلسة الأربعاء الموافق 9/11/1994. واستبشرنا خير ببراءته ولكن طالت الأيام في انتظار الإفراج عنه رغم علمي أننا نعيش في أزهي عصور الديمقراطية . إنني اعلم انك أب وتعرف معنى الأبوة . وأنني استصرخك باسم هذه الأبوة أن تنظر بعين العطف والرحمة لأب مسن ومريض وابنه الوحيد لا زال موجود في معتقل الوادي الجديد منذ سنتين وكان قبل ذلك في ليمان طره الاستقبال . علما بان ابني مدرس ويعاني من مرض تضخم بالكبد نتيجة البلهارسيا وقرح القولون . ونظرا لمرضي وكبر سني أجد صعوبة في رؤيته لبعد المسافة والتكاليف التي لا طاقة لنا بها . استصرخكم مرة أخرى الإفراج عن ابني وأتعهد أمام الله وأمام سيادتكم إذا ثبت اشتراكه في إراقة دم برئ أو القيام بأي عمل من أعمال التخريب أن أقوم بمحو هذا العار أمامكم … والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. والد المعتقل مصطفى إبراهيم أمين إبراهيم " وعن الأحوال المادية للأسرة ذكرت والدة المعتقل مصطفى إبراهيم أن أحوال الأسرة المادية قد تدهورت بشدة بعد اعتقال نجلها ’ فقبل اعتقاله كان يساهم بنصيب كبير في إعالة الأسرة ، حيث كان يعمل مدرس لغة عربية بالفيوم ، ولكن بعد اعتقاله اقتصر دخل الأسرة على معاش الوالد البالغ 300 جنيه فقط " نرسل 75 جنيه حوالة لمصطفى في السجن و الباقي لمصاريف الأسرة وهو لا يكفي لسد حاجتنا حتى يوم 15 في الشهر" . وإذا أرادنا ان نبحث عن سبب تقييد حق نزلاء السجون في الاتصال بالعالم الخارجي في السجون المفتوحة ، نجد أنفسنا مرة أخرى أمام " دواعي الأمن " . والسؤال الآن هو : هل يجوز للجهة القائمة على إدارة السجون تحت دعاوى الأمن أن تحرم السجناء والمعتقلين من أبسط الحقوق التي تحافظ على كرامتهم الإنسانية وهو حقهم في الاتصال مع العالم خارج السجن ، بما يشمله هذا الحق من زيارة ومراسلة أعضاء عائلتهم بصفة خاصة ؟ وما هي طبيعة حق المسجونين في الاتصال بالعالم الخارجي ، وهل يجوز تقييد هذا الحق ، وما هي ضمانات هذا التقييد حتى لا يتحول إلى محض وسيلة لمصادرة هذا الحق وإعدام وجوده ؟ . في الواقع ، لا تعني عملية إيداع المسجونين والمعتقلين في السجون وغيرها من المؤسسات العقابية إلغاء الحقوق الإنسانية العامة المرتبطة بضرورة تحقيق التفاعل والتواصل بين هؤلاء المحتجزين والعالم الخارجي . وترتبط تلك القاعدة بالهدف من العقوبة في الفكر العقابي الحديث ، الذي لا ينصرف فقط إلى تحقيق الردع بشقيه ( العام والخاص ) ولكنه يسعى بالأساس إلى " إعادة التأهيل الاجتماعي " للمسجونين ومن في حكمهم . فالمسجونين والمعتقلين ، مهما طالت مدة حبسهم ، سيعودون إلى المجتمع في يوم ما ، لذلك فمن الضروري إعادة تأهيلهم اجتماعيا فيه باعتبارهم مواطنين عاديين . ويعتبر حق المسجونين والمعتقلين في الاتصال بالعالم الخارجي شرط ضروري لإنجاح عملية إعادة التأهيل الاجتماعي لهم ، فلا شك أن إشعارهم بالعزلة ومنعهم من التفاعل والتواصل مع أسرهم وأصدقائهم لا يؤدي بأي حال من الأحوال إلى إصلاحهم أو يساهم في إعادة تأهيلهم . وقد أكدت على هذا المبدأ المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ([4]) ، التي صادقت عليه الحكومة المصرية وصارت أحكامه جزءا لا يتجزأ من التشريع الوطني ، كما نصت على ذات المبدأ القاعدة رقم 61 القواعد النموذجية لمعاملة السجناء التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين وأقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي في العام 1957 ([5]). ويتفرع حق المسجونين والمعتقلين في الاتصال بالعالم الخارجي إلى مجموعة من الحقوق الأصلية والمكتسبة ، التي تعد في مجملها جوهر الحق في الاتصال بالعالم الخارجي ، وأهمها : الحق في الاتصال بالأسرة وبذوي السمعة الحسنة من الأصدقاء ، على فترات منتظمة ، بالمراسلة وبتلقي الزيارات على السواء ([6])؛ حق السجين أو المعتقل في إعلام أسرته فورا باعتقاله أو بنقله إلى سجن آخر([7]) ؛ كما يجب الاحتفاظ بالمتهم المحبوس احتياطيا أو السجين ، إذا طلب ، وكلما أمكن في مكان للحبس قريب بصورة معقولة من محل إقامته المعتاد([8]) ؛ وكذلك يجب أن توفر لكل المتهمين المحبوسين احتياطيا أو المسجونين الفرص المناسبة والوقت والتسهيلات لزيارة محام واستشارته والاتصال به ، بدون تأخير ، بدون تصنت أو رقابة وبسرية تامة ، وتكون هذه الاستشارات في مدى بصر وليس سمع العاملين على تنفيذ القانون ([9]) . وبالنسبة للتكييف القانوني لاتصال المسجونين والمعتقلين بالعالم الخارجي ، فقد استقرت القواعد الدولية على اعتباره " حقا " من الحقوق الإنسانية المقررة لهم ، وليس مجرد " مزية " . ولهذا يجب ألا تستخدم كمكافأة أو عقوبة ، وبالتالي لا يجوز حرمان المسجونين والمعتقلين من الاتصال والتفاعل مع العالم الخارجي كعقوبة تأديبية إلا في الحالات التي يرتبط فيها الاتصال بارتكاب جريمة ما ، وفي كل الحالات لا يجوز حرمانهم من الاتصال بالأسرة . والاتصال بالعالم الخارجي باعتباره حقا من الحقوق الإنسانية يمكن أن يخضع لبعض القيود التي تفرضها الاعتبارات الخاصة بعملية الإيداع في السجون والمتعلقة بصالح تحقيق العدالة وأمن السجن وانتظام إدارته . ويجب أن تكون تلك القيود منصوص عليها في الدستور والقوانين واللوائح الوطنية ، وان تراعي الجهات المسئولة عن إنفاذ القوانين مبدأ " عدم التعسف والاستخدام الواسع للإستثناءات " وإلا تحولت تلك القيود إلى رخصة يمكن عبرها مصادرة الحق في الاتصال بالعالم الخارجي وإعدام وجوده الفعلي بالمخالفة لمبدأ سيادة القانون . ولم يشذ الدستور والتشريع المصري عن القواعد المستقرة على الصعيد الدولي والخاصة باحترام الحقوق الإنسانية للسجناء وغيرهم من المحتجزين ومن ضمنها الحق في الاتصال بالعالم الخارجي ، فقد نصت المادة 42 من الدستور المصري على انه : " كل مواطن يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ، ولا يجوز إيذاؤه بدنيا أو معنويا ، كما لا يجوز حجزه أو حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون .. " . كما نصت المادة 71 من الدستور على ضرورة : " إبلاغ كل من يقبض عليه أو يعتقل بأسباب القبض عليه أو اعتقاله فورا ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع أو الاستعانة به على الوجه الذي ينظمه القانون " . وتقضي المادة 38 من القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون بأنه " يكون لكل محكوم عليه الحق في التراسل ولذويه أن يزوروه وذلك طبقا لما تبينه اللائحة الداخلية ، وللمحبوسين احتياطيا هذا الحق دون إخلال بما يقضي به قانون الإجراءات الجنائية بشأنهم في هذا الصدد " .وكذلك نصت المادة 39 من ذات القانون على أنه " يرخص لمحامي المسجون في مقابلته على انفراد بشرط الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة ، ومن قاضي التحقيق في القضايا التي يندب لتحقيقها سواء أكانت المقابلة بدعوة من المسجون أم بناء على طلب المحامي " . كما تنص المادة 60 من قرار وزير الداخلية رقم 79/1961 باللائحة الداخلية للسجون على أنه : " للمحكوم علبه بالحبس البسيط والمحبوسين احتياطيا الحق في التراسل في أي وقت ، ولذويهم أن يزوروهم مرة واحدة كل أسبوع في أي يوم من أيام الأسبوع عدا أيام الجمع والعطلات الرسمية فيما عدا أول وثاني أيام عيدي الفطر والأضحى . " ويكون للمحكوم عليه بالسجن أو الحبس مع الشغل أو المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المنقولين من الليمانات إلى السجون العمومية .. حق الزيارة مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع ، أما المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة المنفذ عليهم في الليمانات يسمح لهم بالزيارة مرة واحدة شهريا ، وذلك تطبيقا لأحكام المادة 64 من اللائحة الداخلية للسجون . وبالنسبة لمدة الزيارة وظروف إجراءها ، فقد قسمت المادة 71 من اللائحة الداخلية لقانون السجون الزيارة إلى نوعين : " الزيارة العادية " ومدتها ربع ساعة ، أما " الزيارة الخاصة " التي تتم وفقا لنص المادة 40 من القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون فمدتها نصف ساعة . ونصت المادة 70 من اللائحة الداخلية على أن الزيارة العادية للمسجون تتم في المكان المخصص لذلك في السجن بحضور أحد مستخدمي السجن أثناء زيارة المسجونين وإحدى المستخدمات أثناء زيارة المسجونات. أما الزيارة الخاصة ، فتتم في مكاتب أحد ضباط السجن وبحضوره أو من ينوب عنه ، مع عدم الإخلال بحق محامي المسجون في مقابلته على انفراد . كما تنص المادة 66 من اللائحة الداخلية للسجون على أنه للمسجون عند نقله إلى سجن في بلد آخر الحق في التراسل ولذويه أن يزوروه مرة واحدة قبل أو بعد نقله ، ولو لم يحل ميعاد المراسلة أو الزيارة العادية المستحقة له . والمستفاد من النصوص المشار إليها سلفا ، أن المشرع حرص على تأكيد احترام آدمية الإنسان وكرامته وعدم المساس بها ماديا أو معنويا ، فجعل للمحكوم عليه بأي عقوبة الحق في الزيارة ، وهو حق " مزدوج " مقرر للمحكوم عليه ولذويه ولأي منهم أن يطلب ممارسة هذا الحق وفقا للضوابط التي رسمها القانون رقم 396 لسنة 1956 واللائحة الداخلية له . وبالإضافة إلى الحق في الزيارة العادية للمسجون ، أجازت المادة 40 من القانون رقم 396 لسنة 1956 للنائب العام أو المحامي العام ولمدير عام السجون أو من ينيبه أن يأذن لذوي المسجون بزيارته في غير مواعيد الزيارة العادية إذا دعت الضرورة ذلك . وهذا الحق مقرر لجميع المسجونين أيا كانت جرائمهم التي اقترفوها . والأصل أن " المعتقل " يعامل معاملة المحبوس احتياطيا ، لأنه لم يصدر في حقه أي حكم قضائي يقضي بإدانته في جريمة ما ، ولذلك فقد نصت المادة 20 مكرر من القانون رقم 396 لسنة 1956 بأن : " يعامل كل من تسلب حريته بغير حكم قضائي ، المعاملة المقررة للمحبوسين احتياطيا في هذا القانون ويلغى ما يخالف ذلك من أحكام " . ورغم أن التشريع المصري يتضمن العديد من الضمانات الجوهرية التي تكفل في حالة احترامها تحقيق درجة مقبولة من التواصل والتفاعل بين السجناء والعالم الخارجي ، وعلى وجه الخصوص دعم أواصر وروابط العلاقات الأسرية بما يصون الكرامة الإنسانية للسجناء .. إلا أن مركز حقوق الإنسان يرصد بعض أوجه الخلل والقصور في التنظيم القانوني لممارسة حق الاتصال مع العالم الخارجي ، وأهمها : قصر مدة الزيارة ، والأجواء والظروف غير الملائمة التي تتم الزيارة في ظلها بسبب السلطة التقديرية التي تمنحها لائحة السجون لإدارة السجن في تحديد وتنظيم أماكن الزيارة وظروف إجرائها بما يفقد الزيارة الهدف منها . لذلك يهيب مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء المشرع المصري ، أن يتخذ بعض الإجراءات الإيجابية ذات الأهمية والمعمول بها في بعض المؤسسات العقابية في النظم الحديثة ، وذلك بالسماح بساعات أطول للزيارة ، خاصة إذا كان الزائر قادما من مكان بعيد … كما تفرض المادة 61 من اللائحة الداخلية للسجون قيدا خطيرا على حق السجناء والمعتقلين في التراسل ، حيث تعطي مدير السجن أو المأمور الحق في الاطلاع وفض الخطابات التي ترد أو ترسل إلى السجين ، وهو ما يعد انتهاكا لحرمة الحياة الخاصة للسجناء بلا مبرر قانوني . فعملية الإيداع في السجون ليست مبررا للاعتداء على حرمة الحياة الخاصة للسجناء ، وهو المعني الذي يفهم من قراءة المادة 45 من الدستور المصري التي تنص على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين ومنها المراسلات البريدية والبرقيات والمحادثات التليفونية وجوب سريتها وعدم جواز مصادرتها أو الاطلاع عليها إلا بأمر قضائي ، حيث جاء نص المادة 45 من الدستور بصيغة عامة ومطلقة و دون تفرقة بين السجناء وغيرهم . واضح من العرض السابق ان وزارة الداخلية دأبت ـ على خلاف ما تقضي به أحكام الدستور والتشريع الوطني من ضرورة احترام وكفالة حق السجناء وغيرهم من المحتجزين في الاتصال بالعالم الخارجي ـ على انتهاك هذا الحق سواء بشكل كامل ( كإغلاق بعض السجون وعزلها عن العالم الخارجي ) أو بشكل جزئي ( فرض قيود مشددة على حق تلقي الزيارات والاتصال بالعالم الخارجي ) . وتستند وزارة الداخلية في ذلك على نص المادة 42 من القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون التي تنص على أنه : " يجوز أن تمنع الزيارة منعا مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى الظروف أوقات معينة ، وذلك لأسباب صحية أو متعلقة بالأمن " .
إغلاق السجون .. لماذا ؟
على مدار السنوات العشر الماضية ، دأبت وزارة الداخلية على حرمان السجناء والمعتقلين من أعضاء الجماعات الإسلامية المتطرفة من حقهم في الاتصال بالعالم الخارجي . في البداية كانت قرارات منع الاتصال والتفاعل بين هؤلاء المحتجزين وبين العالم خارج السجن " مؤقتة " وترتبط بأسباب موضوعية ، وفي أغلب الأحيان كانت وزارة الداخلية تقوم بالسماح بتلقي الزيارة سواء من الأسرة أو المحامين عندما يستخدم المحتجزين حقهم في التظلم القضائي من قرار المنع أمام محاكم مجلس الدولة([10]) كما كانت الجهة الإدارية تقوم بالسماح للمسجونين والمعتقلين بتلقي الزيارة عند إصدار حكم قضائي بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه ([11]) .
ولكن مع نهاية العام 1994 ، أصبح عزل السجناء والمعتقلين داخل السجون عزلا كاملا أو تقييد حقهم في الاتصال بالعالم الخارجي ، سياسة عامة لوزارة الداخلية تلجأ إليها في مواجهة " تصاعد أعمال العنف والإرهاب في البلاد وما توافر لديها من دلائل كافية على تورط بعض المودعين داخل السجون من أعضاء الجماعات الإسلامية في التخطيط لتلك الأعمال ".ورغم انحسار تلك الأعمال مذ بداية العام 1998 وما تتمتع به البلاد من حالة هدوء نسبي كأثر لمبادرة " وقف العنف التي أطلقها بعض القيادات الإسلامية المودعين في السجون .. إلا أن وزارة الداخلية لا زالت على موقفها إزاء إغلاق السجون الأربعة ، بالمخالفة لأحكام الدستور والقانون والتزامات مصر الدولية بموجب تصديقها على المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان . ففي 26/12/1993 أصدرت وزارة الداخلية قرارا حظر الزيارات نهائيا عن سجن شديد الحراسة ـ بطره مازال ساريا حتى الآن [12]، وفي أوائل سبتمبر 1994 امتد حظر الزيارات إلى سجن استقبال طره . كما أصدرت الوزارة في بداية العام 1996 قرار بمنع الزيارات عن المودعين بسجن ليمان أبي زعبل ، ومنذ مطلع العام 1997 يعاني نزلاء سجن الفيوم العمومي من الحرمان المتواصل من تلقي الزيارات . ويبلغ عدد المودعين داخل تلك السجون حوالي أربعة آلاف سجين ومعتقل سياسي. وكانت الحجة الأساسية التي اعتمدت عليها وزارة الداخلية في منع الاتصال والتفاعل بين المسجونين والعالم الخارجي هي " الدواعي الأمنية " وذلك بالاستناد إلى نص المادة 42 من قانون تنظيم السجون. فعلى سبيل المثال ، أصدر وزير الداخلية يوم 26/12/1993 القرار رقم 549 لسنة 1993 بمنع الزيارة عن جميع المسجونين المودعين بالسجن شديد الحراسة بطره . وقد جاء في تسبيب قرار المنع ما يلي : " نظرا للظروف الأمنية التي تمر بها البلاد وتصاعد نشاط لجماعات المتطرفة ([13]) وفي مواجهة احتمال صدور تكليفات من قيادات التطرف المودعة بالسجون لعناصرها بالخارج لارتكاب عمليات عدائية تجاه المنشآت والمرافق وبعض الشخصيات العامة ورجال الشرطة .. تقرر منع الزيارة عن المعتقلين لنشاطهم المتطرف بسجن شديد الحراسة بطره ـ لدواعي الأمن إعمالا للمادة 42 من قانون تنظيم السجون التي تجيز منع الزيارة منعا مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى الظروف وفي أوقات معينة ، وذلك لأسباب صحية أو متعلقة بالأمن " . وفي يوم 23/7/1999 أصدرت وزارة الداخلية القرار الإداري رقم 556 لسنة 1999 جاء نصه على النحو التالي ([14]) : " بعد الاطلاع على القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون والقوانين المعدلة له ، والقرار الوزاري رقم 79 لسنة 1961 باللائحة الداخلية للسجون والقرارات المعدلة له .. ولدواعي الأمن لتتابع توافر معلومات عن استهداف السجون في المرحلة الحالية . قرر : مادة (1) تمنع الزيارة لمدة ثلاثة شهور عن سجون " استقبال طره ـ شديد الحراسة بطره ـ القسم الثالث " شديد الحراسة " بليمان أبي زعبل ـ العناصر المتطرفة بسجن الفيوم العمومي . مادة (2) يعمل هذا القرار من تاريخ صدوره " . واضح من القرارين السابقين أن مسلك وزارة الداخلية بإغلاق السجون الأربعة سالفة الذكر وعزلها بشكل كامل عن العالم الخارجي منذ عدة سنوات ، له ما يبرره من الواقع " دواعي الأمن " وله سنده أيضا من حكم القانون " المادة 42 " من القانون 396 لسنة 1956 بشأن تنظيم السجون ..والسؤال الآن : هل تتوافر في الواقع الفعلي المعاش " أسباب أمنية " استثنائية تبرر لجهة الإدارة الخروج عن الأصل العام وهو " حق السجناء والمعتقلين في الاتصال بالعالم الخارجي " واستخدام الرخصة المقررة لها بمقتضى المادة 42 سالفة الذكر بمنع الزيارة نهائيا عن تلك السجون ؟ وهل التزمت الإدارة بالضوابط الدستورية والقانونية عند استخدام الرخصة المتاحة لها ؟
الضوابط والشروط القانونية لمشروعيةالقرارات الصادرة بمنع الزيارة عن السجون
واقع الأمر ، أن المشرع رخص للإدارة بمقتضى المادة 42 من قانون تنظيم السجون منع الزيارة عن السجون منعا مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى الظروف وفي أوقات معينة ، وذلك لأسباب صحية أو متعلقة بالأمن . ولكن بقراءة النص السابق نجد أن المشرع حدد شروط وضوابط محددة يجب أن تتوافر ليكون قرار منع الزيارة صحيحا في حكم القانون ، وهي : ـ حرص المشرع على تأكيد احترام آدمية الإنسان وكرامته وعدم المساس بها ماديا أو معنويا ، فجعل للمحكوم عليه بأي عقوبة الحق في الزيارة ، وهو حق " مزدوج " مقرر للمحكوم عليه ولذويه ولأي منهم أن يطلب ممارسة هذا الحق وفقا للضوابط التي رسمها قانون السجون واللائحة الداخلية له .وهذا الحق مقرر كأصل العام لجميع المسجونين أيا كانت جرائمهم التي اقترفوها . وانه استثناءَ من هذا الأصل يجوز للجهة الإدارية أن تمنع زيارة المسجون أو المعتقل أو المحبوس احتياطيا لأسباب " صحية " أو " أمنية " طارئة . ومن ثم يجب أن يرتبط قرار المنع " وجودا وعدما " بالعلة أو السبب من إصداره ، وهي وجود أسباب صحية طارئة مثل وجود حالة تفشي للأمراض المعدية داخل السجن ، أو أسباب متعلقة بالأمن مثل حدوث حالة هياج عام داخل السجن أو خارجه ([15]) أو لمواجهة احتمال صدور تكليفات من قيادات التطرف المودعة بالسجون لعناصرها بالخارج لارتكاب عمليات عدائية تجاه المنشآت والمرافق وبعض الشخصيات العامة ورجال الشرطة إذا كان هذا الاحتمال قائم على أسباب فعلية تبرره . ـ وسلطة الإدارة في تقرير مدى توافر الأسباب " الأمنية " أو " الصحية " التي تستوجب منع أو تقييد الحق في الزيارة ليست سلطة مطلقة ، فللقضاء ( مجلس الدولة ) حق مراقبة أسباب المنع أو التقييد وفقا للواقع والقانون . وضمن الإطار السابق ، يراقب القضاء مدي جدية أسباب المنع أو التقييد ، وان يكون المنع ضروريا لتحقيق الغاية التي أرادها المشرع ، أو بعبارة أخرى يجب أن يكون الضرر الذي يهدد المصلحة المحمية ( الصحة أو الأمن العام ) من الخطورة بمكان بحيث يستحيل معها دفع الضرر بدون اللجوء إلى تقييد حق السجناء في الاتصال بالعالم الخارجي . كما يجب ان يزول المنع أو التقييد بزوال الأسباب التي دعت إليه . وتطبيقا لما تقدم ، قضت محكمة القضاء الإداري بقولها([16]) : " ان المشرع التزاما منه بموجب أحكام الدستور حرص على تأكيد احترام آدمية الإنسان وكرامته وعدم إيذاؤه ، وجعل للمسجون أو المحكوم عليه حق التراسل وحق ذويه في زيارته في الأوقات المحددة ، ورخص لمحاميه مقابلته على انفراد بإذن كتابي " .. وبالنسبة للمادة 42 من قانون السجون التي تجيز للإدارة حق منع الزيارة في أوقات محددة منعا مطلقا أو مقيدا أكدت المحكمة على أن " المشرع جعل ذلك لأسباب صحية أو أمنية ، وأوجب ان يقوم قرار المنع على أسباب سائغة تبرره قانونا .. وان تذرع الإدارة بالأسباب الأمنية التي تحددت في الحيلولة دون ذوي المدعين من المعتقلين والاتصال بعناصر الإرهاب.. لا يصلح سندا للمنع المطلق أو حرمانهم من حق الزيارة الذي يمكن لها ان تجريه مع وضع الضوابط الكفيلة برعاية الجانب الأمني ، وإلا كانت الذريعة بحالتها هذه مانعا مطلقا من الزيارة مما لا يجوز قانونا ولا يبرره الواقع . ومن ثم فان قرار منع الزيارة المطعون عليه يكون قد صدر فاقدا سنده من صحيح حكم القانون " . وفي حكم آخر قضت المحكمة بأنه([17]) : " لا يجوز أن تمنع الزيارة عن المسجون منعا مطلقا من أي قيد ، وذلك بعدم تحديد مدة هذا المنع سلفا ، وأن تكون الأسباب التي دعت إلى المنع من الزيارة تبرر هذا المنع ، ولا تتجاوز حدوده وقدره ، لان حرمان الإنسان الذي تسلب حريته من زيارة أهله وذويه في محبسه ، يشكل إهدار لأدميته وإيذاء معنويا له وحرمانه من حق طبيعي مقرر له ولذويه . ولا يمكن ان يكون ذلك هو هدف المشرع من نص المادة 42 من قانون السجون .. " ـ إذا كان لمشرع قد أجاز أن يكون نطاق المنع من الزيارة " مطلقا " بحيث يشمل جميع نزلاء السجن أو" محدودا " وقاصرا على بعض النزلاء دون غيرهم .. ألا انه قد اشترط في الحالتين ،أن يصدر قرار المنع لفترة محددة ولا يجوز أن يستمر تطبيقه بعد زوال أسباب المنع ( زوال الحالة المرضية أو استقرار الحالة الأمنية ) . وفي ذلك تقول المحكمة ([18]): " ومن حيث أن مفاد ما تقدم ان المسجون أيا كانت الجرائم التي ارتكبها ، تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة ويكون لأهله وذويه أن يزوره ولا ينبغي حرمانهم من هذا الحق إلا لفترة مؤقتة لأسباب صحية أو أمنية . فالمنع يرد على الوقت أي محدد بزمن معين ولا يجوز ان يمتد هذا الوقت أجلا طويلا بما يعتبر مصادرة لحق الزيارة . وعلى ذلك فإذا كان المبين من الأوراق ان إدارة السجن لم تمكن المدعيات من زيارة أزواجهن منذ أمد طويل وكان هذا المنع أيا كانت بواعثه ومبرراه لا يصح ان يستطيل طوال هذه المدة التي زادت على عام وهو ما يعتبر مصادرة لحق حث عليه الدستور وكفله القانون ، الأمر الذي يضحي معه القرار المطعون فيه غير مشروع .. " كم قضت محكمة القضاء الإداري بوقف تنفيذ قرار وزير الداخلية بمنع الزيارة عن أحد السجون وقالت في أسباب حكمها ([19]): " ومن حيث ان المنع من الزيارة قد قام على أسباب أمنية ، فانه بانقضاء هذه الأسباب كان يتعين على جهة الإدارة أن تعيد الأمر إلى ما كان عليه وتسمح بالزيارة التي هي حق للمسجونين طبقا للقانون . ذلك ان الضرورة تقدر بقدرها ، وما دامت أسباب المنع من الزيارة قد انقضت فان الاستمرار في هذا المنع يكون مخالفا للقانون ، ذلك ان المنع في هذه الحالة يتحول من كونه مؤقتا كما أراده القانون ليصير دائما كما يريده مطبقو القانون وهو أمر مخالف تماما لمبدأ سيادة القانون " ـ من حيث المدة أوجب المشرع أن يكون قرار المنع في " أوقات معينة " وبناء عليه فلا يجوز المنع المطلق لغير فترة محددة أو غير المرتبط بظروف محددة . وفي ذلك قضت محكمة القضاء الإداري بقولها : " ومن حيث انه في ضوء ما تقدم ، فان ما ذكرته جهة الإدارة سببا لقرارها المطعون عليه لا يستقيم سببا صحيحا له . وآية ذلك انه على فرض ان المدعين محكوم عليهم بعقوبات جنائية وليسوا مجرد معتقلين يعاملون قانونا معاملة المحبوسين احتياطيا ، فان المشرع ولئن أجاز منع زيارة المحكوم عليه منعا مطلقا إلا انه قيد هذه السلطة بوقت معين ولأسباب متعلقة بالأمن أو الصحة ، فالإطلاق الوارد في النص مقيد في حقيقة الأمر بالوقت ، فضلا عن قيام موجباته ، ومن ثم لا يجوز القول بان نص المادة 42 من قانون السجون يجيز منع الزيارة عن المحكوم منعا مطلقا طالما وجدت أسباب أمنية ، بل يجب ان تمارس هذه السلطة ففي أوقات معينة فقط وليس في كل الأوقات وبصفة دائمة تستغرق فترة وجود المسجون أو المعتقل في محبسه . والقول بغير ذلك يتعارض مع صراحة النصوص ويؤدي إلى الإخلال بحق الزيارة الذي حرص المشرع على النص عليه تأكيدا للصلة التي تربط المسجون أو المعتقل بذويه .. ومن حيث ان ما ذكرته جهة الإدارة سببا لقرارها بمنع الزيارة عن المدعين لمدة زادت على ستة أشهر لا يصلح لحمل قرارها على الصحة إذ فضلا عن ان هذا المنع المطلق غير جائز قانونا ، فان الأخطار المحتمل ان تحدث أثناء زيارة المعتقل واتصال الغير به يمكن تداركها بأساليب اخرى غير أسلوب المنع المطلق للزيارة .." وقد دأبت الجهة الإدارية على التحايل على نص القانون بإصدار قرارات إدارية متعاقبة بمنع الزيارة لمدة ثلاثة شهور عن سجون الاستقبال بطره ـ شديد الحراسة بطره ـ القسم الثالث شديد الحراسة بليمان أبى زعبل ـ العناصر المتطرفة بسجن الفيوم العمومي على أن يبدأ تنفيذ القرار اللاحق عقب انتهاء القرار السابق عليه مباشرة .. وقد أدانت محكمة القضاء الإداري هذا التحايل ، حيث قالت ([20]) : " إن تتابع القرارات الإدارية بمنع الزيارة لمدة معينة تلو الأخرى دون اصل زمني وذلك بسبب تتابع تحذيرات الجهات الأمنية من استهداف العناصر لإرهابية لبعض السجون . أشبه بالحرمان الدائم من الزيارة الذي حرص المشرع على عدم جوازه للاعتبارات الدستورية و القانونية التي من أجلها قرر لذوي المسجون الحق في زيارته ، كما أن تهديد بعض الخارجين على القانون بتنفيذ بعض العمليات الإرهابية لا يخول الإدارة منع الزيارة عن السجون بصفة دائمة ، و إنما على الإدارة أن تقرر المنع لمدة تتخذ خلالها من الإجراءات والاحتياطات ما يمكنها من كفالة الحقوق التي حرص الدستور والقانون على النص عليها دون أن تصل تلك الإجراءات والاحتياطات إلى حد الحرمان الدائم بتتابع المدد التي تمنع الزيارة خلالها واتصالها ببعضها ، ومن ثم فان القرار المطعون فيه يكون بحسب الظاهر من الأوراق مشوبا بمخالفة المشروعية ويتوافر بذلك ركن الجدية في وقف التنفيذ " . ـ ومن حيث نطاق قرار المنع من الزيارة والفئات التي يشملها ، فقد ميز المشرع بين زيارة الأهل والأقارب وبين زيارة محامي المسجون أو المعتقل والمحبوس احتياطيا ، فأجاز للجهة الإدارية ان تفرض قيودا على زيارة الأهل والأقارب على النحو السالف بيانه ، أما بالنسبة لزيارة المحامي لموكله في السجن سواء كان مسجونا أو معتقلا أو محبوسا احتياطيا ، فالأصل انه لا يرد عليها قيد .فقد نصت المادة 141 من قانون الإجراءات الجنائية على " حق المتهم بالاتصال دائما بالمدافع عنه بدون حضور أحد " رغم ان صدر ذات المادة أجاز للنيابة العامة ولقاضي التحقيق ان يأمر بعدم اتصال المتهم المحبوس بغيره من المحبوسين وألا يزوره أحد . وهو ما رددته أيضا المادة 39 من قانون السجون بقولها " يرخص لمحامي المسجون في مقابلته على انفراد بشرط الحصول على إذن كتابي من النيابة العامة أو من قاضي التحقيق ، في القضايا التي يندب لتحقيقها سواء كانت المقابلة بدعوة من المسجون أو بناء على طلب المحامي " . وبناء على ما تقدم استقر القضاء الإداري في أحكامه على عدم جواز فرض قيود على زيارة المحامي لموكله في محبسه ، فقالت في ذلك ([21]): " وحيث ان اتصال المسجون أو المعتقل أو المحبوس احتياطيا بمحاميه أو المدافع عنه بدون حضور أحد أو على انفراد لا يتحقق إلا بتواجدهما في مكان واحد لا يفصل بينهما عائق يحول دون تبادل الحديث بينهما وليتمكن المحتمي من اطلاع المسجون على ما قد يحمله من مستندات . ومن ثم فان زيارة المسجون أو المعتقل لا تؤتي أكلها إذا وجد مانع أو عازل يحول دون لقائهما والتقابل معا في مجلس واحد . ويعتبر من قبيل المانع أو العائق الذي يحول دون إتمام هذه الزيارة وفقا للقانون وجود سلك أو زجاج أو التباعد بينهما على نحو لا يتمكن معه للطرفين التحدث معا بحديث هامس . لأن من شأن أيا من هذه العوائق إفشاء ما يفضي إليه به المسجون ، كما يمتنع حضور زيارة المحامي أحد من إدارة السجون ، لأن الانفراد أو عدم حضور أحد لا يتحقق إلا إذا كانت زيارة المحامي للمسجون وحده ولا يتواجد معهما إنسان آخر أيا كانت صفته " .
تجاهل الدستور والقانون والمواثيق الدولية و أحكام القضاء المصري غير قابلة للتنفيذ ..
أظهرت وزارة الداخلية استخفافها الشديد بنصوص الدستور والقانون و أحكام القضاء المصري وبالتزامات مصر الدولية المتعلقة بحق السجناء والمعتقلين في الاتصال بالعالم الخارجي . فرغم تعدد الأحكام الصادرة من قضاء مجلس الدولة بوقف تنفيذ قرارات وزارة الداخلية بمنع الزيارات عن السجون ( انظر جدول رقم 1 ) ، إلا ان وزارة الداخلية قد ضربت بتلك الأحكام عرض الحائط وهو ما يعتبر جريمة دستورية . فعلى سبيل المثال ، دأبت وزارة الداخلية على تجاهل الأحكام الصادرة بوقف تنفيذ القرارات الإدارية بإغلاق سجن شديد الحراسة بطره حتى بلغت 17 حكما قضائيا . فالجدير بالذكر ان مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء ، حصل على 13حكما قضائيا بفتح السجون ، من بينها الحكم الصادر في الدعوى رقم 6103 لسنة 51 قضائية بجلسة 15/ 7/ 1997 لصالح أسر ثمانية سجناء بسجن شديد الحراسة ـ بطره ، بوقف تنفيذ قرار وزير الداخلية بمنع الزيارة عن المودعين بالسجن وبتنفيذ الحكم بمسودته وبدون إعلان . وعندما حاول المركز تنفيذ الحكم رفضت لإدارة السجن إتمام الزيارة ، مما حدا بمحامي المركز بالذهاب إلى نيابة المعادي لاطلاعها على ما حدث ولكن النيابة لم تفعل شيئا بحجة ان " تنفيذ الحكم ليس من اختصاصها " . واضطر المركز إلى إعلان جهة الإدارة بالحكم مذيلا بالصيغة التنفيذية في 9/11/1997 للعلم بما جاء به ولنفاذ مفعوله قانونا . كما أرسل المركز " إنذارا " إلى وزير الداخلية ومدير مصلحة السجون ( بصفتهما ) بتاريخ 1/1/ 1998 لتنفيذ الحكم وفتح سجن شديد الحراسة ، إلا ان الوزارة امتنعت مرة اخرى عن التنفيذ . ولم يجد المركز بدا أمام إصرار الإدارة على تجاهل تنفيذ الحكم من إقامة جنحة مباشرة ضد وزير الداخلية للامتناع عن تنفيذ حكم قضائي بمقتضى المادة 123 من قانون العقوبات المصري التي تعاقب " بالحبس والعزل لكل موظف عمومي استعمل سلطته ووظيفته في وقف تنفيذ الأوامر الصادرة من الحكومة أو أحكام القوانين واللوائح .. أو وقف تنفيذ حكم إن أمر صادر من المحكمة أو من أي جهة مختصة ـ وكذا يعاقب بالحبس والعزل كل موظف عمومي امتنع عمدا عن تنفيذ حكم أو أمر مما ذكر بعد مضي ثمانية أيام من إنذاره على يد محضر إذا كان تنفيذ الحكم أو الأمر داخلا في اختصاص الموظف .." وقد حددت جلسة بتاريخ 23/4/1998 أمام محكمة جنح عابدين ، إلا ان وزارة الداخلية أرسلت خطابا إلى المركز باستعدادها تنفيذ الحكم بالسماح بالزيارة ، وتم بالفعل السماح بالزيارة بحضور محامي المركز ونائب مأمور السجن ولم تستغرق الزيارة سوى خمس دقائق ، أغلق السجن بعدها من جديد .([22]) كما قام المركز برفع 43 دعوى قضائية جديدة لصالح أسر السجناء والمعتقلين في السجون المغلقة للمطالبة بوقف تنفيذ القرارات الصادرة بمنع الزيارات عنها ، وفي يوم 14 ديسمبر الحالي حصل مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء على عشرة أحكام من محكمة القضاء الإداري بوقف تنفيذ قرار وزير الداخلية بمنع الزيارة عن سجن شديد الحراسة ـ بطره مع ما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الجهة الإدارية المصروفات وأمرت بتنفيذ تلك الأحكام بمسودتها بغير إعلان .ولازالت هذا الدعاوى قيد التداول أمام محكمة القضاء الإداري ( أنظر جدول رقم 2 ) . ويأمل مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء بتنفيذ تلك الأحكام ، خاصة وان الأسباب الأمنية التي تتذرع بها وزارة الداخلية لإغلاق تلك السجون ، والمتمثلة في لجوء بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى ارتكاب أعمال العنف والإرهاب ضد الدولة ورموزها السياسية والأمنية ورجال الشرطة والمواطنين والسائحين الأجانب ، والتي بدأت في التنامي بشكل حاد مع مطلع العام 1993 .. ليست مبررا كافيا لإغلاق السجون وحرمان السجناء والمعتقلين من الاتصال بالعالم الخارجي ، وذلك لانه يمكن لإدارة السجون ان تتجنب الأضرار والمخاطر المترتبة على فتح السجون بوضع الإجراءات والضوابط الكفيلة بمراعاة الجانب الأمني ، المتمثل في مواجهة احتمال صدور تكليفات من قيادات التطرف المودعة بالسجون لعناصرها بالخارج لارتكاب عمليات عدائية تجاه المنشآت والمرافق وبعض الشخصيات العامة ورجال الشرطة ، كحضور مندوب عن السجن للزيارة أو غير ذلك من القيود التي يسمح بها القانون . كما ان انخفاض أعمال العنف بشكل ملحوظ منذ العام 1996 وبداية انحسارها نهائيا منذ العام 1998 ( جدول رقم 3 ) يفقد وزارة الداخلية منطقها ومبرراتها وراء إغلاق تلك السجون . وقد أكدت محكمة القضاء الإداري على الفهم السابق بقولها ([23]): " إن تهديد بعض الخارجين على القانون بتنفيذ بعض العمليات الإرهابية لا يخول الإدارة منع الزيارة عن السجون بصفة دائمة ، و إنما على الإدارة أن تقرر المنع لمدة محددة تتخذ خلالها من الإجراءات والاحتياطات ما يمكنها من كفالة الحقوق التي حرص الدستور والقانون على النص عليها دون ان تصل تلك الإجراءات والاحتياطات إلى حد الحرمان الدائم بتتابع المدد التي تمنع الزيارة خلالها واتصالها ببعضها ، ومن ثم فان القرار المطعون فيه يكون بحسب الظاهر من الأوراق مشوبا بمخالفة المشروعية ويتوافر بذلك ركن الجدية في طلب وقف التنفيذ " .
([1]) شكوى السيدة سعاد محمد حسن ، والدة المعتقل صفي الدين حسين حمودي ( 32 سنة ) معتقل منذ العام 1996 ومودع بسجن الفيوم ، وهو من السجون المغلقة . ([2]) الزوج محمود سيد حسن جاد المولى ، السن 31 سنة ، متزوج ولديه طفلة عمرها أربع سنوات ، كان يعمل " مشغل آلات " بمصنع أسمنت قبل اعتقاله بتاريخ 10/7/1994 ومودع بليمان أبو زعبل . ([4]) تنص المادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على انه : 1ـ يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني … 3ـ يجب ان يراعى نظام السجون معاملة يكون هدفها الأساسي إصلاحهم وإعادة تأهيلهم اجتماعيا ..." ([5]) تنص القاعدة 61 على أنه : " لا ينبغي في معالجة السجناء أن يكون التركيز على إقصائهم عن المجتمع ، بل ـ على نقيض ذلك ـ على كونهم جزءا منه . وعلى هذا الهدف ، ينبغي اللجوء بقدر المستطاع ، إلى المؤازرة التي يمكن ان توفرها هيئات … … المجتمع المحلي لمساعدة موظفي السجن على إعادة التأهيل الاجتماعي للسجناء . ويجب ان يكون هناك مساعدون اجتماعيون يتعاونون مع كل مؤسسة احتجاز ويناط بهم مهمة إدامة وتحسين كل صلات السجين المستصوبة بأسرته وبالمنظمات الاجتماعية الجزيل الفائدة …" ([6]) القاعدة رقم 37 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء ، وكذلك القاعدة 92 من القواعد النموذجية التي تنص على أنه : " يرخص للمتهم بأن يقوم فورا بإبلاغ أسرته نبأ احتجازه ، ويعطى من التسهيلات المعقولة للاتصال بأسرته وأصدقائه وباستقبالهم ، دون أن يكون ذلك مرهونا إلا بالقيود والرقابة الضرورية لصالح إقامة العدل وأمن السجن وانتظام إدارته . ([8]) المبدأ 20 من مجموعة المبادئ الخاصة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن . ([9]) المبدأ 8 من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية لدور المحامين ، والمبدأ 18 من المبادئ الخاصة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن ، والقاعدة رقم 93 من القواعد النموذجية لمعاملة السجناء ([10]) من أمثلة ذلك ، الحكم الصادر في الدعوى رقم 2075 لسنة 48 قضائية / محكمة القضاء الإداري ـ دائرة منازعات الأفراد المقامة من عبد المنعم جمال الدين (معتقل) ونزار محمود غراب (معتقل) ضد وزير الداخلية مطالبين بوقف تنفيذ وإلغاء القرار رقم 549 لسنة 1993 الصادر بتاريخ 26/12/1993 بمنع الزيارة عن جميع المسجونين بسجن شديد الحراسة ، حيث قضت المحكمة " بانتهاء الخصومة في الدعوى " .. وذلك بعد أن " استجابت وزارة الداخلية لطلبات المدعين وسمحت بزيارتهما في سجنهما ، بعد أن كانت قد منعت هذه الزيارة لأسباب وصفتها بأنها أمنية فمن ثم تنتهي الخصومة في الدعوى " . … وكذلك الحكم الصادر في الدعوى رقم 2015 لسنة 48 ق المقامة من المحامي عبد الحارث مدني ضد وزير الداخلية بوقف تنفيذ وإلغاء القرار 549 لسنة 1993 بمنع الزيارة عن سجن شديد الحراسة ، حيث قضت المحكمة بانتهاء الخصومة في الدعوى بعد أن " أعادت وزارة الداخلية السماح بزيارة المسجونين ، حين ارتأت ان الظروف المحيطة بأمن الوطن والمواطنين لا تحول دون زيارة المسجونين . ([11])ومن الأمثلة هذا النهج ، الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 689 لسنة 43 قضائية المقامة من / صفوت إبراهيم حامد الأشوح وعبد الموجود إبراهيم الزمر وعبد المجيد محمد ماضي ، ضد السيد وزير الداخلية ( بصفته ) مطالبين بوقف تنفيذ القرار الصادر في 17/7/1988 بمنع الزيارات عن الطالبين المودعين بسجن ليمان طره و المحكوم عليهم في الجناية 462 لسنة 1981 أمن دولة عليا ( تنظيم الجهاد ) وإبداعهم زنازين انفرادية . حيث قامت وزارة الداخلية في أعقاب صدور هذا الحكم بوقف تنفيذ قرار منع الزيارة عن المسجونين لمخالفته لصحيح حكم القانون ـ بالسماح للمحكوم عليهم في قضية تنظيم الجهاد بالاتصال بالعالم الخارجي ، بما في ذلك تلقي الزيارات من الأهل والمحامين . ([12]) يحتل سجن شديد الحراسة ـ بطره قائمة السجون " سيئة السمعة " في مصر بسبب سجله السيئ في مجال انتهاك الحقوق الإنسانية للأشخاص المودعين بداخله . وهو سجن مخصص بحسب فلسفة بنائه وتشييده لإيواء أشد العناصر " الإرهابية " خطورة من وجهة نظر وزارة الداخلية ، وعزلهم نهائيا عن باقي السجناء والمعتقلين بل وعن المجتمع خارج أسوار السجن . ولكن رغم عدم وجود معلومة مؤكدة حول سبب إطلاق لفظ " العقرب " على سجن شديد الحراسة .. يبدو أن هناك أوجه تشابه عديدة بين ما يجري داخل هذا السجن وبين لسعة العقرب . وحسب وثائق وزارة الداخلية ، خصص السجن منذ افتتاحه في 26/6/1993 لإيداع " المسجونين الخطرين وهم من يخشى هروبهم وممن سبق لهم الهرب أو الشروع فيه أو الاعتداء على المسجونين أو الحراس أو العاملين بالسجن وتهديدهم ، وكذلك الذين تطلب جهات الأمن أو النيابات المخصصة إحكام الرقابة عليهم لخطورتهم ، كما يودع به حاليا الخطرون من ذوي النشاط الإرهابي المتطرف ([13]) بداية من عام 1993 شهدت عمليات العنف السياسي التي ترتكبها الجماعات الإسلامية المتطرفة ، وبخاصة تنظيمي الجماعة الإسلامية والجهاد ، نمو كيفيا وكميا وارتفاع ملحوظ في مستوى الأداء والمهارة والتقنية المستخدمة ، وبلغ حصاد أعمال العنف خلال العام 1993 تحو 207 شخصا من بينهم 91 من رجال الشرطة و59 من أعضاء الجماعات المتطرفة و56 من المواطنين العاديين واثنان من السائحين الأجانب ، وذلك بزيادة ملحوظة عن حصيلة أعمال العنف خلال العام 1992 التي بلغت 92 شخصا . راجع في ذلك : خلف جدار النسيان ، البحث الصادر عن مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء ([14]) تجدد وزارة الداخلية قرار منع الزيارة عن السجون الأربعة سالفة الذكر كل ثلاثة أشهر ، كوسيلة للتحايل إلى القانون الذي يبطل قرارات المنع غير المحددة بمدة معينة . ([15]) أنظر في ذلك : الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري ـ دائرة الأفراد والهيئات (أ) ـ في الدعوى رقم 6301 لسنة 51 قضائية ، المرفوعة من مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء ([16]) انظر في ذلك ، الحكم الصادر في الدعوى رقم 6356 لسنة 51 قضائية بتاريخ 15/7/1997 لصالح مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء .. بوقف تنفيذ قرار وزير الداخلية بمنع الزيارة عن المعتقلين السياسيين المودعين بسجن الفيوم العمومي . ([18]) الحكم الصادر في الدعوى رقم 3414 لسنة 41 ق والمرفوعة من هويدا عبده أحمد عبده وسناء علام وسوسن صبري ضد قرار وزير الداخلية بمنع الزيارة عن سجن شديد الحراسة ، والحكم صادر بتاريخ 14/3/19995 ([19]) راجع في ذلك الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 689 لسنة 43 قضائية المقامة من صفوت إبراهيم حامد الأشوح وعبد الموجود إبراهيم الزمر وعبد المجيد محمد ماضي ، ضد السيد وزير الداخلية ( بصفته ) مطالبين بوقف تنفيذ القرار الصادر في 17/7/1988 بمنع الزيارات عن الطالبين المودعين بسجن ليمان طره و المحكوم عليهم في الجناية 462 لسنة 1981 أمن دولة عليا ( تنظيم الجهاد ) وإبداعهم زنازين انفرادية . وتتلخص وقائع الدعوى في قيام وزارة الداخلية بتاريخ 17/7/1988 وعلى أثر هروب ثلاثة من المحكوم عليهم في الجناية المذكورة من ليمان طره ، بإصدار قرار بمنع الزيارات عن جميع المحكوم عليهم في الجناية المذكورة وعددهم يزيد على الثلاثين بما في ذلك منعهم من الاتصال بذويهم أو محاميهم . وقد أكد دفاع الطاعنين على أن " قرار المدعى عليه بمنع الزيارات عن المحكوم عليهم في الجناية له ما يبرره لفترة مؤقتة تتمكن فيها أجهزة الأمن من تعقب الهاربين الثلاثة وضبطه وتولي النيابة العامة مباشرة التحقيقات اللازمة لتحديد حجم الجريمة والمشاركين فيها والمعاونين لها ، إلا ان القرار يفقد صلاحيته تماما بعد كل هذه المراحل ويفتقد مشروعيته فيعد عقوبة غير مشروعة لم ينص عليها قانون أو تنظمها لائحة ، فالهاربون الثلاثة ، وهم : عصام الدين القمري وخميس مسلم ومحمد الأسواني تم ضبطهم وأدت عملية الضبط إلى وفاة الأول والثاني ، كما تم ضبط الثالث وباقي المعاونين والمساعدين لهؤلاء وقدموا جميعا إلى نيابة أمن الدولة التي تولت التحقيقات وتبين لها بالدليل القاطع عدم مشاركة أي من المحكوم عليهم الآخرين في عملية الهروب ، فضلا عن عدم علمهم به ، ولم تشمل التحقيقات أيا منهم ، و صدر قرار الإحالة في القضية " .
|
||||||