الحقيقـة
علي تقرير الحكومة المصرية للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة
تقـديــم
فى 31 نوفمبر 2001 قدمت الحكومة المصرية تقريريها الدوريين الثالث والرابع معا إلى لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وفاء بالتزاماتها الدولية بموجب أحكام المادة 40 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي صادقت عليه الحكومة المصرية ونشر في الجريدة الرسمية (العدد رقم 15 في 15ابريل 1982)، وعمل به اعتبارا من 14/4/1982؛ وبموجب هذه المادة " تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بتقديم تقارير عن التدابير التي اتخذتها لإعمال الحقوق المعترف بها في هذا العهد الدولي وعن التقدم المحرز في التمتع بهذه الحقوق ".
ومن المتوقع أن يناقش هذان التقريران في اجتماع لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة الخريف القادم، وعلي الرغم من أن مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء قد تلقي نسخة كاملة من التقريرين للحكومة المصرية في مايو 2002؛ فإنه استطاع أن يقدم ردا موجزا علي تقرير الحكومة المصرية فيما يتعلق بإعمال التزاماتها الدولية في تطبيق المواد 4-14-18-19 من العهد الدولي، وجري إرسال الرد الموجز فعلا قبيل اجتماع لجنة الخبراء في صيف 2002 وبعد أقل من شهر واحد علي تلقيه التقرير.
علي أن المركز رأي أن واجبه أن يتقدم بملاحظاته الكاملة علي تقرير الحكومة المصرية فيما يتعلق بمدي التزامها بتمكين مواطنيها من التمتع بالحقوق التي كفلها لهم العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وتقديمه قبيل اجتماع اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة خريف 2002 لعدة أسباب :-
1. أن الحكومة المصرية لم تقم بإعلام الرأي العام المصري ولا حتى المنظمات المعنية بحقوق الإنسان بالتقرير ولا بمحتواه، ولم تدعها للمشاركة معها في وضعه، أو تقييمه، وهو الأمر الذي يشكل سياسة ثابتة فيما يتعلق بأن عدم الشفافية من قبل الحكومة المصرية والتي تتسم تصرفاتها بازدواجية مدهشة حيث تقدم نفسها إلى العالم في صورة الدولة التي تحترم حقوق الإنسان، فى حين تنظر بالكثير من العداء والشك إلى المؤسسات والأفراد العاملين في هذا المجال معتبرة إياهم خصوما سياسيين متحدّين لسلطاتها، ويري مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء أن نشر ملاحظاته علي تقرير الحكومة المصرية إنما هو إعلام للمثقفين والمهتمين بفحوى تقرير الحكومة وما ورد فيه من جهة، وكشف للوجه الآخر من الصورة التي حرص تقرير الحكومة علي أن يقدمها بصورة مثالية براقة لا تعكس حقيقة أوضاع حقوق الإنسان في مصر علي نحو أمين من جهة أخرى.
2. أن إبداء المركز لملاحظاته علي تقرير الحكومة المصرية ووضع تلك الملاحظات أمام اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة لا يساعد تلك اللجنة فقط علي تقييم أداء الحكومة المصرية في مجال حقوق الإنسان – وهو آلية هامة من آليات الأمم المتحدة المعتمدة لمراقبة وحماية وتعزيز حقوق الإنسان في البلدان المختلفة -، بل يعين الحكومة المصرية نفسها في التعرف علي ملاحظات المؤسسات غير الحكومية العاملة في مجال دعم ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان في مصر. وفي تقديرنا أن هذا الرد ما
كان يمكن أن يصبح ذا فائدة لو كانت الحكومة المصرية قد عمدت إلى استشارة مؤسسات حقوق الإنسان قبل إعداد تقريرها وأخذت بعين الاعتبار ملاحظاتها عليه، أو ضمنت تلك الملاحظات تقريرها وعلقت عليها.
3. أن مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء ما زال يؤمن بالدور البناء الذي يمكن أن تلعبه منظمة الأمم المتحدة ولجانها النوعية في تقويم أداء الحكومات وحثها علي تحسين أوضاع حقوق الإنسان في بلدانها والوفاء بالالتزامات التي قطعتها علي نفسها بأن تعمل ما وسعها الجهد لتمكين مواطنيها من التمتع بالحقوق الأساسية الواردة في العهد، وفي هذا المقام فأن المركز يري أن الاشتباك مع التقارير الرسمية إنما هو رسالة واضحة إلى الحكومات بأن منظمات حقوق الإنسان تقوم بواجبها في مراقبة مدي التزام الدولة بمبادئ الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، الأمر الذي قد يؤدي إلى تحسين أداء الدولة في هذا المجال خشية المراقبة.
تقدمت الحكومة المصرية بتقريرها الأول إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في عام 1983 ثم قدمت تقريرها الثاني في 23مارس 1992 وانتظرت قرابة عشر سنوات كاملة قبل أن تقدم تقريريها المدمجين للفترتين الثالثة والرابعة في نوفمبر 2001.
وعلي الرغم من أنه وفقا للمبادئ التوجيهية التي وضعتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة والتى تنص علي وجوب أن يرتكز تقرير الحكومة علي تقديم معلومات أكثر تفصيلا وتحديدا لأوضاع حقوق الإنسان في مصر والتطورات التشريعية التي شهدتها مصر، أو من المنتظر أن تشهدها منذ تقديم تقريرها الأخير عام 1992، فأن تقرير الحكومة المصرية جاء في مجمله نسخة منقحة من تقريريها السابقين؛ حيث تضمن التركيز علي النصوص الدستورية والتشريعية التي تكفل إعمال بعض نصوص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية والتي يرجع تاريخ الكثير منها إلى ما قبل تصديق الحكومة المصرية عليه، وهو الأمر الذي يمكن أن يعتبر من حيث المبدأ دليلاً علي عدم وجود تعديلات قانونية هامة تزيد من ضمانات إعمال الحقوق الواردة في العهد أو توسع من نطاقها.
أن مركز حقوق الإنسان ليشعر بالفخر تجاه قيامه بأعباء مهمة تقديم ملاحظات علي تقريرى الحكومة المصرية الثالث/ الرابع للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وهي المهمة نفسها التي اضطلعت بها من قبل عشر سنوات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حين قدمت ملاحظاتها علي تقرير الحكومة الدوري الثاني إلى اللجنة نفسها، ثم نشرتها في كتاب حمل عنوان " وجها لوجه "، كما يشعر المركز أنه بذلك يكمل مسيرة عظيمة بدأها جيل الآباء المؤسسين للحركة المصرية لحقوق الإنسان منذ نيف وعشرين عاما، وتتواصل من بعدهم جيلا من وراء جيل إلى الأبد وبعد الأبد أن كأن بعده بعد.
مقدمـــة
يقع رد الحكومة المصرية في 157 صفحة من الحجم الكبير باللغة الإنجليزية وهو مقدم من الحكومة المصرية إلى لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة وبناء علي طلبها في اجتماعها السادس والستين في يوليو 1999، وهو مقدم من المستشار رئيس محكمة الاستئناف سناء سيد خليل والذي يشغل منصب المدير العام لإدارة حقوق الإنسان في مكتب السيد وزير العدل، وقد أشير في حاشية الصفحة الأولي إلى أن " البيانات المدرجة في التقرير قد أخذت عن التقارير السابقة المقدمة من الحكومة المصرية إلى منظمات الأمم المتحدة والمنشأة وفقا لاتفاقياتها، ومن الهيئات الرسمية ".
ويتكون التقرير من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يتضمن المقدمة ومعلومات عامة عن جمهورية مصر العربية ونظامها القانوني، والهيئات القائمة علي سن القوانين وتنفيذها، وحرية الصحافة والأحزاب…الخ، ويحتوي الجزء الثاني من التقرير علي تعليقات الحكومة المصرية علي مواد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية من المواد 1-27 لبيان مدي التزام الحكومة بإعمالها، أما القسم الثالث فيضم رد الحكومة المصرية علي أسئلة اللجنة حول بعض البيانات والمعلومات التي وردت في تقارير مختلفة عن مصر.
وتأسيساً على ذلك فأن التقرير المتضمن ملاحظات مركز حقوق الإنسان لمساعدة السجناء سوف ينقسم إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول: يتضمن الأوضاع القانونية والسياسية والاقتصادية بشكل عام في مصر، والتي تمثل البيئة السياسية والقانونية التي يجري فيها تطبيق أحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
الجزء الثاني: يتضمن ردا علي تقرير الحكومة المصرية يشى بمدى التزامها بإعمال الحقوق الواردة في العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية بالتعليق علي مواد العهد مادة تلو الأخرى.
الجزء الثالث: مستخلصات وملاحظات عامة يري المركز ضرورة أن يضعها تحت نظر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ومن خلالها تحاط الحكومة المصرية باقتراحات لأفكار تعديل بعض النصوص التشريعية الحاكمة، والتي تضمن فاعليه تمتع المواطنين بالحقوق الواردة في العهد الدولى.
علي أننا نحب أن ننبه إلى أن ما نقوم بإبدائه من ملاحظات إنما هو في حدود الرد الرسمي للحكومة وفي نطاق المعلومات الواردة فيه، وفي حدود المعلومات التي استطاع المركز أن يوثقها وأن يناقشها والمدة الزمنية التي كان يتعين عليه فيها أن ينتهي من صياغة تقريره، ويبقي القول إن النصوص القانونية وحدها لا تستطيع أن تكفل حماية حقيقية لحقوق الإنسان ولكن تلك الحماية تقتضى وجود إرادة سياسية لدي الدولة للذود عنها وضمان تطبيقها، وهو الأمر الذي لا توجد شواهد عليه الآن علي الأقل في مصر.